
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي استراتيجي تتصارع حوله القوى الإقليمية والدولية، بل تحوّل إلى ساحة صامتة تتجمع فوقها ملامح نظام إقليمي جديد يعاد تشكيله خطوة بخطوة. التغيرات المتلاحقة التي يشهدها هذا الشريان الحيوي تكشف بوضوح أن المنطقة تتّجه نحو مرحلة إما أن تمتلك فيها الدول العربية زمام المبادرة… أو تترك المجال مفتوحًا لغيرها كي يرسم قواعد اللعبة.
في هذا السياق الحساس، أكد الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف فوزي أن البحر الأحمر بات يعكس “درجة حرارة النظام العالمي الجديد”، حيث تسعى قوى كبرى لفرض نفوذها عبر قواعد، وتحالفات، وانتشار بحري مكثّف. وشدد على أن التحركات الأخيرة ليست مجرد إجراءات تكتيكية، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة توزيع نقاط القوة في الشرق الأوسط وإفريقيا.
أن الدول العربية – وعلى رأسها مصر والسعودية – تمتلك من المقومات ما يجعلها الطرف الأقدر على قيادة معادلة الأمن في البحر الأحمر، لكنها بحاجة إلى إرادة سياسية موحدة، ورؤية أمنية شاملة، تتجاوز حدود “حماية الملاحة” إلى بناء منظومة ردع كاملة تحمي السيادة وتمنع أي طرف خارجي من فرض أمر واقع.
واستدرك الخبير الاستراتيجي موضحًا أن ما يجري حول باب المندب والقرن الإفريقي ليس بعيدًا عن الصراع الدولي على الطاقة وتأمين سلاسل الإمداد العالمية. فالدول الكبرى باتت تعتبر البحر الأحمر بوابة غير معلنة لموازين القوة في المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعل أي اضطراب فيه جزءًا من معركة أكبر تتجاوز حدود الإقليم.
واستطرد اللواء أشرف فوزي مؤكدًا أن مصر تتعامل مع هذه التحولات باعتبارها “خط الدفاع الأول” عن أمنها القومي، وأن وجودها الفاعل في البحر الأحمر ليس خيارًا توسعيًا، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والتحديات. وأشار إلى أن القاهرة تتحرك بثلاث أدوات أساسية:
تعزيز الجاهزية البحرية والعسكرية،
بناء شراكات أمنية واقتصادية متوازنة،
إدارة الملف بدبلوماسية مرنة تمنع التصعيد وتُحفظ المصالح.
وتابع أن التحالف العربي المطّل على البحر الأحمر يجب أن ينتقل إلى مرحلة متقدمة من العمل المشترك، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الدوريات البحرية، ووضع استراتيجية موحدة للتعامل مع التهديدات غير التقليدية مثل القرصنة، والتدخلات الخارجية، والميليشيات العابرة للحدود.
واختتم اللواء فوزي تصريحاته مؤكدًا أن مستقبل المنطقة سيرتبط بشكل مباشر بالقدرة على السيطرة الاستراتيجية على البحر الأحمر. وأضاف قائلًا: «من يملك القوة في هذا البحر يملك القدرة على توجيه إيقاع السياسة في الشرق الأوسط… ومن يغفل عن أهميته سيجد نفسه خارج حسابات المستقبل».
وشدد على أن اللحظة الحالية ليست مجرد فرصة، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الدول العربية على حماية أمنها وصياغة دور إقليمي يليق بثقلها الجيوسياسي.











