
متابعات _ عزة برس
تقرير: سليمان سري
رأى أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية الدكتور عبد الناصر علي الفكي أن الحكومة السودانية لن تغلق ملف آلية دول الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، مؤكداً أن هذا الملف بات خاضعاً بدرجة كبيرة للتنافس الدولي على الموارد والنفوذ في المنطقة، ومتوقعاً أن يتوسع إطار الرباعية مستقبلاً ليشمل أطرافاً دولية جديدة مع اشتداد التنافس حول البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي والسودان.
تنافس دولي
قال الفكي في حديثه لـ”راديو دبنقا” إن الملف السوداني يخضع بدرجة كبيرة لمصالح القوى العظمى وحلفائها، في ظل تنافس متصاعد على الموارد والثروات والمواقع الجيوسياسية في المنطقة. وأوضح أن هذا التنافس يعكس طبيعة الصراع العالمي متعدد المستويات الذي أصبح السودان جزءاً منه، حيث تتداخل مصالح الدول الكبرى مع الأوضاع الداخلية السودانية بشكل مباشر.
تصريحات رسمية
وكان وزير الخارجية السوداني الدكتور محي الدين سالم قد أعلن بشكل مفاجئ عن خطوة تنذر بإغلاق الحكومة السودانية لملف الآلية الرباعية، قائلاً إن هذه الآلية لم تصدر بقرار من مجلس الأمن أو أي منظمة دولية، وبالتالي لا تتعامل معها الحكومة السودانية بصفة رسمية. وأضاف أن التعامل يتم مع مصر والسعودية والولايات المتحدة بصفات ثنائية، مؤكداً وجود تفاهمات وتنسيق مع هذه الأطراف، كما حدث في التنسيق الأخير مع مصر والأمم المتحدة. وجاءت هذه التصريحات عقب جلسة مباحثات ثلاثية مشتركة في بورتسودان بين وزارة الخارجية السودانية برئاسة سالم ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر.
تنازلات متبادلة
أوضح الفكي أن التنازلات المتبادلة بين القوى الإقليمية والدولية تحدد طبيعة التفاوض الذي تراعاه دول الآلية الرباعية وإلى أي مدى يمكنها النجاح في تحييد الصراعات واحتوائها. وبيّن أن المشهد الراهن مرتبط مباشرة بالصراع المصري الإثيوبي على البحر الأحمر، مشيراً إلى أن مطالبة إثيوبيا التاريخية والسياسية بالحصول على منفذ بحري ولو بالقوة تتشابك مع ملفات أخرى مثل إسرائيل وغزة، حيث يمكن أن تُجرى تسويات أو مقايضات سياسية ضمن إطار أوسع يشمل الأزمة السودانية.
السلاح الصيني
لفت الفكي إلى أن الأسلحة الصينية لها وجود كبير في الحرب السودانية، إذ تُستخدم على نطاق واسع أنظمة الدفاع الجوي والمضادات الأرضية الصينية، التي أثبتت فعاليتها في ميادين سابقة مثل الحرب الهندية–الباكستانية، عندما تمكنت هذه المنظومات من إسقاط طائرات “رافال” إسرائيلية الصنع. وأكد أن هذه التطورات ستنعكس على سوق السلاح العالمي وطبيعة بيعه للدول المتصارعة، في ظل التنافس الدولي المحموم بين الولايات المتحدة والصين في المقام الأول، وروسيا والاتحاد الأوروبي في المقام الثاني، وهو تنافس يدور حول الموارد وصفقات السلاح والسيطرة عبر مجلس الأمن الدولي.
توازنات دولية
وصف الفكي العلاقة بين الولايات المتحدة والسودان بأنها معقدة ومرتبطة بتوازنات المصالح الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن تجاوز الحكومة السودانية للآلية الرباعية والتعاون مع الولايات المتحدة بصفات ثنائية يعكس طبيعة الصراع على النفوذ بين القوى الكبرى. وأوضح أن عدم صدور أي قرار من مجلس الأمن بشأن السودان يجعل من كل المبادرات المطروحة مبادرات إعلامية أو فردية لا تمثل الشرعية الدولية، وهي الورقة التي تستخدمها حكومة بورتسودان حالياً. وأضاف أن الصين وروسيا تمتلكان مصالح واضحة في السودان، فالصين تعد من أبرز المستثمرين الاقتصاديين، بينما تسعى روسيا إلى إقامة قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، وهي مسألة ذات أبعاد أمنية واستراتيجية عميقة.
البحر الأحمر
أشار الفكي إلى أن هذه التطورات تأتي في سياق التصاعد الأمني في البحر الأحمر، مع تهديدات الحوثيين للممرات المائية وظهور جماعات متفلّتة وقراصنة في السواحل الشرقية، إلى جانب الاهتمام الإسرائيلي والسعودي والمصري بأمن البحر الأحمر. وأكد أن هذه الملفات مرتبطة بتوازن القوى بين الصين والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا، مشدداً على أن أي قرار لتحقيق السلام في السودان لا يمكن أن ينجح إلا عبر مجلس الأمن الدولي الذي يمثل الإطار الشرعي الوحيد لهذه القضايا.
جهود أمريكية
أوضح الفكي أن الولايات المتحدة بذلت جهوداً عديدة لإحلال السلام في السودان، بدءاً من جهود المبعوث الأمريكي السابق تيم بيريلو الذي واجه صعوبات كبيرة ولم يحقق اختراقاً يُذكر، مروراً بمحاولات مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا مسعد بولس الذي يسعى حالياً لاستكمال تلك الجهود ضمن إطار أوسع. وأكد أن الحكومة السودانية تستخدم هذه الورقة بذكاء سياسي لتحقيق مكاسب تكتيكية، لكنها في المقابل تدفع ثمن ذلك من معاناة الشعب السوداني وموارده المستقبلية.
مسؤولية دولية
شدد الفكي على أن المجتمع الدولي بات مطالباً بتحمل مسؤولياته الأخلاقية والسياسية تجاه السودان، خاصة في ظل فشل آليات التحقيق الدولية السابقة، إذ لم تستطع اللجان المعنية بحقوق الإنسان التوصل إلى اتفاق أو إجماع داخل مجلس الأمن بشأن آلية واضحة للتحقيق والمساءلة، ما يعكس استمرار الانقسام الدولي حول الأزمة السودانية. وأوضح أن الحرب السودانية تُستخدم من قبل الأطراف الدولية كجزء من أدوات الموازنة السياسية والصراع على المصالح، متجاوزة بذلك قضايا الأمن الإنساني والانتهاكات الجسيمة التي تطال المدنيين.
إرادة وطنية
أكد الفكي أن السودان يحتاج إلى جانب الضغط الدولي إلى تعزيز الإرادة الوطنية في الداخل، مشيراً إلى أن الحلول لا يمكن أن تأتي كلها من الخارج. وقال إن الأساس هو أن يكون السودانيون مدركين لطبيعة الحرب وجذور الأزمات وتاريخ الدولة السودانية وآليات استغلال هذه الصراعات، باعتبار أن جوهر الأزمة سوداني المنشأ والمسؤولية. وأضاف أن العبء الأكبر يقع على القوى المدنية السودانية التي يجب أن تعمل على الوحدة والتضامن من أجل بلورة رؤية وطنية مشتركة تسهم في إنهاء المآسي. وأوضح أن الأزمة السودانية متشابكة ومتجذّرة، وهي امتداد لأزمات الدولة منذ الاستقلال، وقد ازدادت تعقيداً بفعل التداخل بين العوامل الاجتماعية والثقافية داخل الحرب.
تصدع اجتماعي
بيّن الفكي أن ما يجري اليوم يعكس انزلاقاً خطيراً، إذ أصبح التراث الشعبي والفلكلور والحكّامات والغنّايين من العوامل المؤثرة في توجيه مسار الحرب وإشعال خطاب الكراهية والتحريض، واصفاً ذلك بأنه أمر مؤسف للغاية ويعبّر عن عمق التصدع الاجتماعي الذي أنتجته الحرب











