الأخبار

شئ للوطن.. م.صلاح غريبة يكتب: تراث في زمن الرصاص: صرخة اليوم العالمي ومأساة السودان

Ghariba2013@gmail.com

ال

في 14 نوفمبر من كل عام، يرتفع صوت العالم محتفلاً بـ “اليوم العالمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية”، وهو يوم لا يقتصر هدفه على تذكيرنا بقيمة كنوزنا التاريخية والأثرية، بل يحمل في طياته صرخة مدوية ضد الجريمة المنظمة التي تنهب هوية الشعوب وتاريخها. إنها دعوة دولية لـ الوقوف صفاً واحداً ضد هذه التجارة القذرة التي تمحو الذاكرة وتغذي النزاعات، وفي ظل الحروب والاضطرابات، تزداد أهمية هذه المناسبة لتسليط الضوء على المناطق الأكثر عرضة للخطر، وعلى رأسها اليوم السودان.
الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية ليس مجرد سرقة قطع أثرية؛ بل هو اغتيال ممنهج للذاكرة الجماعية وإفقار للتراث الإنساني. إنها عملية معقدة تبدأ بالنهب والتنقيب السري في المواقع الأثرية والمتاحف، وتمر عبر شبكات إجرامية دولية منظمة تستغل الفوضى والفقر والنزاع المسلح لغسل الأموال وتمويل أنشطتها غير المشروعة. هذه الجريمة تقوض النسيج الاجتماعي للدول المتضررة، وتمنع الأجيال القادمة من الوصول إلى إرثها الذي يشكل ركيزة أساسية لهويتها الوطنية. إننا، ونحن نحتفل بهذا اليوم، نؤكد أن التراث الثقافي هو ملك للبشرية جمعاء، وحمايته مسؤولية مشتركة لا تسقط بالتقادم.
منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في أبريل 2023، أصبحت كنوزها الأثرية والتاريخية، التي تعود لحضارات عريقة مثل مملكة كوش، في مهب الريح. تشير تقارير اليونسكو وشركائها إلى أن الفوضى الأمنية وتدهور الأوضاع في البلاد قد فتحت الباب على مصراعيه أمام عمليات نهب واسعة للمتاحف والمواقع الأثرية.

تفاقم الخطر في زمن النزاع بالنهب والتدمير، فتتعرض المتاحف الرئيسية، بما في ذلك المتحف القومي في الخرطوم، لخطر النهب والتدمير. حيث يستغل اللصوص غياب الرقابة الأمنية والسيادية لسرقة القطع الأثرية والمخطوطات النادرة التي لا تُقدر بثمن، ثم الحديث عن التنقيب السري في مناطق الصراع، يتحول التنقيب السري عن الآثار إلى مصدر تمويل سريع للجماعات المسلحة والمجرمين. تُستخرج القطع بعنف وتهريبها عبر الحدود السودانية المترامية الأطراف لتباع في الأسواق الدولية، وغالباً عبر شبكات إلكترونية متخصصة.
هذه القطع المهربة، بمجرد خروجها من البلاد، تُفقد هويتها وسياقها التاريخي، ويصبح استردادها شبه مستحيل. إنها خسارة لا تخص السودان وحده، بل تضرب في جذور الحضارة الإنسانية التي شهدتها أرض السودان. إن الحرب في السودان لم تفتك فقط بحياة المدنيين، بل شنت حرباً موازية على ذاكرة الأمة وهويتها الثقافية.
إن حماية التراث السوداني تتطلب تضافر جهود دولية عاجلة وفعالة. لا يكفي الإدانة والتعبير عن القلق؛ بل يجب اتخاذ خطوات عملية على ثلاثة مستويات؛ المستوى الوطني (السودان) ويجب على الجهات الوطنية والدولية الساعية للاستقرار العمل على حماية المؤسسات الثقافية وتأمين المواقع الأثرية الحساسة فوراً، وإجراء عمليات جرد ورقمنة للمقتنيات المهددة قدر الإمكان.
مستوى الأسواق الدولية، يجب على الدول التي تعتبر أسواقاً رئيسية للأعمال الفنية تكثيف إجراءات العناية الواجبة وفرض رقابة مشددة على صالات العرض ومزادات البيع. على الجميع، من مقتني الفن إلى تجار التحف، الامتناع عن شراء أو تداول أي ممتلكات ثقافية يعتقد أنها سُربت من مناطق النزاع في السودان، وذلك عملاً باتفاقية اليونسكو لعام 1970، ويجب تعزيز التعاون الدولي بين اليونسكو، الإنتربول، مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، ومنظمات الجمارك العالمية لتبادل المعلومات وتفكيك شبكات التهريب التي تستهدف التراث السوداني.
في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، يجب أن نبعث رسالة واضحة: تاريخ السودان ليس للبيع. إنه جزء من إرثنا المشترك، وحمايته هي واجب أخلاقي وإنساني يقع على عاتقنا جميعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *