الأخبار

الطريق الذي ابتلع الطفولة.. مأساة نازحين بين الحصار والجوع

متابعات _ عزة برس

تحولت الطريق الممتدة من الدلنج وحجر الجواد إلى كلدجي إلى ممر محفوف بالموت والخوف، حيث تتكرر قصص النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في الدلنج وكادقلي هربًا من الحصار والجوع والمرض، ليجدوا أنفسهم في مواجهة انتهاكات مروعة على امتداد الرحلة. شهادات الناجين تكشف عن حجم المأساة التي تعيشها مئات الأسر، وتسلط الضوء على واقع إنساني متدهور في ظل غياب الحماية وانهيار الخدمات الأساسية.

النازح الطيب آدم، وهو من سكان كادقلي، استعاد في حديثه لـ “دارفور24” تفاصيل رحلته من المدينة المحاصرة إلى كلدجي، مشيرًا إلى أن محطة حجر الجواد باتت نقطة تجمع للنازحين الخارجين من الدلنج وكادقلي، حيث ينتظرون دليلًا يقودهم عبر طريق محفوف بالمخاطر. وأوضح أنهم تحركوا في مجموعة مكونة من 16 شخصًا دون دليل، وسلكوا طريقًا عبر كونس وصولًا إلى هبيلا، قبل أن تعترضهم مجموعة من الرعاة المسلحين يرتدون زي قوات الدعم السريع، حيث تم تفتيشهم ونهب هواتفهم وبعض متعلقاتهم الشخصية، ثم سُمح لهم بالعبور وكأن حياتهم لا تساوي شيئًا.

واصلت المجموعة السير على الأقدام حتى حلول الليل، فاضطرت للمبيت في العراء، ثم استأنفت الرحلة مع الفجر. وعند الردمية المؤدية إلى كلدجي، صادفوا أربعة شبان في حالة صحية حرجة، كانوا قد تعرضوا للتعذيـ ب على يد نقطة ارتكاز عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع غرب هبيلا، قبل أن يتمكنوا من الفرار. انضم هؤلاء إلى المجموعة رغم إصاباتهم، وساروا معًا حتى الوصول إلى كلدجي.

تسيطر قوات الدعم السريع على منطقة هبيلا، حيث تستمر الانتهاكات بحق المارة والسكان، رغم تحالفها الجديد مع الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو. وبحسب آدم، فإن موجات النزوح إلى كلدجي لم تتوقف، حيث يصل يوميًا العشرات من الفارين من الدلنج وكادقلي، وكل منهم يحمل قصة مأساوية جديدة.

إحدى النازحات، وهي أم لثلاثة أطفال، روت لـ “دارفور24” تفاصيل رحلتها من الدلنج، مشيرة إلى أنها كانت ضمن مجموعة تضم نحو تسعين شخصًا، لكنها فقدت أطفالها الثلاثة لمدة خمسة أيام أثناء الطريق، ولم تعثر عليهم إلا بعد وصولها إلى كلدجي، حيث كانوا مع مجموعة أخرى من النازحين. بصوت مرتجف، تحدثت عن تعرضها مع خمس نساء أخريات للضرب والإهانة، حيث جُلدن بالسياط وضُربن بأعقاب البنادق. وأضافت أن الطريق كان مليئًا بالمخاطر، من مسلحين متعطشين للعنف، إلى أمطار غزيرة وحشرات وثعابين، وأن كل خطوة كانت بمثابة مواجهة بين الحياة والموت. كما أكدت أنها التقت نساء أخريات تعرضن للاغتـ ـصاب خلال الرحلة.

عطا جابر، أحد سكان كلدجي، وصف لـ “دارفور24” المشهد اليومي في القرية، قائلاً إنهم يستقبلون عشرات النازحين من الدلنج وكادقلي يوميًا، معظمهم في حالة يُرثى لها، حيث تصل النساء وقد تعرضن للاغتـ ـصاب، والرجال يحملون آثار التعذيب، والأطفال تائهون أو فاقدو الاتصال بأسرهم. وأشار إلى أن كلدجي، وهي قرية صغيرة، تفتقر إلى مراكز صحية عاملة ولا تمتلك إمكانات غذائية كافية لاستيعاب هذه الأعداد المتزايدة من النازحين، مؤكدًا أن سكان القرية يعجزون عن تقديم ما يسد رمق الوافدين، فضلًا عن معالجة جراحهم النفسية والجسدية.

وتتكرر في شهادات النازحين تفاصيل مرعبة عن الطريق الذي يسلكونه: مجموعات مسلحة ترتدي زي الدعم السريع، عمليات نهب ممنهجة، تعذيب، اغتـ ـصاب، فقدان أطفال، وأمهات يتشبثن بالأمل في الوصول إلى بر الأمان، رغم أن الأمان نفسه بات بعيد المنال. ويأتي هذا النزوح الجماعي في ظل حصار خانق تفرضه قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على مدينتي كادقلي والدلنج، ما أدى إلى انعدام السلع الأساسية وتصاعد أزمة الجوع، ودفع آلاف الأسر إلى الفرار بحثًا عن النجاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *