الأخبار

سعد محمد أحمد يكتب: نخب بلادي وافلاس سياسي واقتصادي وقيَمي

الركائز المعيارية الساعية لتقديس سيادة الدولة وتعزيز هيبتها، فقدت كثيرا من صلابتها في ظل المتغيرات الدولية، التي عرفها عالم ما بعد الحرب الباردة. وسياسات النيوليبرالية المعولمة، استغلّت السردية التي تقول بأنّ مبدأ السيادة الوطنية بات يواجه تحديات كبرى ضمن التحوّلات العالمية الراهنة، وبالتحديد في ظل بروز مفاهيم جديدة من قبيل النظام العالمي الجديد، الموعولم،التدخل الإنساني غسيل الأموال، مكافحة الإرهاب، التي تعمل في جانبها الأكبر على تقويض مفهوم السيادة الوطنية. هذا صحيح، ولكن السيئ في الفكر السياسي الدولي هو التستّر بمفاهيم فضفاضة تخدم الفرد الحاكم، ويُطوّع بها الجميع حسب خياراته، وأحيانا يتوارى السلطويون خلف النظام الديمقراطي الشكلي لصيانة الاستبداد وخداع الناس.
مسارات من «الاستبداد الديمقراطي»، تلفت الانتباه إلى ضرورة تغيير طبيعة الديمقراطية المتوارثة عن المنوال الغربي بطريقة مسقطة، لا أرضية مادية أو فكرية قابلة لتمثّلها. لأنّ الأمر آل في النهاية إلى الركود وغياب الاستقرار، وجثوم البيروقراطية.والذي يحدث أن يراهن النخب على الغربيين في نشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان يقيمون منصات ممولة تجسر نظرية أن تبني هذه القيم هو الحل والخلاص للماساة في السودان يجحدون بالرد والسخرية على مخالفيهم وترد بدورها على محاولات فرض القيم في الخطاب الغربي عبر تبني خطاب الخصوصية الثقافية وهي لا تكون بالنسبة للحاكم الا في الأبعاد السياسية التي يرى أنها تشكل خطرا عليه اما في مسائل السوق والاستهلاك والبنية الاقتصادية النيوليبرالية التي تصوغ المجتمع كله فنتفي الخصوصية.
اما الغرب وبشكل صريح يراه الأعمى فإنه يستخدم خطاب القيم كرافعة للمصالح السياسية والاقتصادية. يجري خلف مصالحه، لتبقى .
النظام الدولي شبه الفوضوي الذي نعيشه، جوهره الحسابات الاستراتيجية وتعزيز القوّة، التي قلّصت المسؤولية العالمية
كما أنّ الديمقراطية الموجهة وفق أطر سلطوية، اختزلت الإنسان ضمن دوائر استهلاكية مادية.. وسيّرت الجماعات الأهلية وفق وعي قطيعي بعيد كل البعد عن الديمقراطية الرقابية، التي يكون فيها للفرد المواطن مشاركة حقيقية في إدارة الشأن العام، على نحو يحرر المجتمع ويجعله يدرك مبدأ السيادة الوطنية، كأحد الأسس الصلبة التي يقوم عليها التنظيم الدولي المعاصر، والتي يجب أن لا تقوم على حساب اضطهاد الفرد، وإطلاق عملية قمع واسعة ضد الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وتهميش المثقّفين، وتدجين معظمهم عبر جعلهم أبواقا للدعاية والتبرير، وسجن المتمسّكين بالفكر الحرّ الذي يكشف مساوئ الاستبداد ولا يبرره. لا يمكن الحديث والحال كذلك، عن دولة تستطيع أن ترتقي إلى مستوى دولة وطنية جامعة، فمسألة قبول الاختلاف والتعدد، تشكل معضلة بالنسبة إلى النظم السلطوية التي ترفض إلى الآن الديمقراطية الرقابية، ما بالك بالحديث عن مفهوم دولة التحول الديمقراطي ، والذي نحلم بها الي الآن في السودان والذي يصبح بمثابة النكتة السمجة للسودانيين الذي أصبح طارد للمواطنين ، تقصي كفاءاته، وتلغي إمكانيات تفوّقه. ولا تُوفّر أدنى شروط الرفاه الاجتماعي للفرد في حُكم معلن وصريح بالإفلاس الفكري والمادّي. من هذا المنطلق لا يتعدّى التزام الغرب وحلفائه بحقوق الإنسان كونه أسطوريا كاذبا، ومجرد كلام للاستهلاك يُنطق به من أعلى الربوة. فهذه الحقوق تتحدد على أساس الإسهامات في حفظ النظام الذي يرغبون في استدامته. وللنظم في بلادنا «حقوق» في نظر الإدارات الغربية، التي تقدم لبعضهم نوعا من الحماية الأدبية، لأن هذه النظم ببساطة تسيطر على الشعوب، وتخنقها، وتضمن في الآن ذاته تدفق الثروة إلى الغرب.وحفظ مصالحه، وتنفيذ أجنداته السياسية والأمنية وهدف الغرب وعملائها في الدول الإقليمية يتمثل أساسا في الاحتفاظ بالسيطرة على السودان والاحتفاظ بموارده الضخمةالي حين وبارضه ومياهه وليس استقراره السياسي والاقتصادي والامني. وإلى الآن، لم يتراجعوا عن مخطط إعادة صياغة نظام سياسي سوداني وفق رؤية غربية وعملائها في الاقليم تابع لتنفيذ اجنداتها السياسية ، من خلال إضعاف مؤسسات الحكم السيادية ، ودعم المجموعات المليشاوية المسلحةلحماية حدودها والإثنية لتعكير الوضع الأمني والسياسي لتبقى الحال ما عليه . المشروع الذي تزامن مع تبنّي الغرب مفهوم إعادة رسم خريطة السودان وفق قاعدة التجزئة التي بدأت بفصل الجنوب ضمن الحدود قد سبقه اغتيال قرنق قائد المشروع الوحدوي والتنموي والفكري. وهم يدركون بأنّ القوة الاقتصادية هي الرافد الجوهري التي تجعل دولة السودان الديمقراطي تؤمّن موقعها في السياسة الدولية، ويكون لها حضور مؤثّر في ديناميكية القضايا على مستوى العالم، وقد زادت قيمة المكوّن المعرفي للشعب السوداني عن غيره أيضا، وفعلا يعدّ الاقتصاد بشكل واضح أكثر أهمية من كونه مقياسا للقوّة العظمى، فهو مركز القوّة الأهمّ. والشأن الحقيقي للعالم في المستقبل سيتركّز على القضايا الاقتصادية والراسمال البشري . ومن الطبيعي أن يحدث ارتباك استراتيجي في العواصم الغربية، وأن يُجنّ جنون أمريكا وبريطانيا تحديدا من محاولات بوتين تغيير النظام العالمي،ومحاولته احداث وجود له في الساحة السياسية والاقتصادية والأمنية في داخل السودان، وزعزعة مرتكزاته التي وضعها الغرب الليبرالي. والخطر الأكبر بالنسبة إليهم أن لا يجدوا آذانا صاغية لدى حلفائهم المعهودين في الشرق الأوسط، الذين فقدوا الثقة في الغرب الذي لم يعد يحميهم خاصة الدول المنتجة للطاقة فهم اعتادوا على الولاء وتنفيذ الأوامر، انطلاقا من أنّ الواجهة التي يُعتمد عليها يجب أن تكون ضعيفة، ومنصاعة على الدوام في استراتيجيتهم للتعامل مع المنطقة.يعيش السودان الان بيئة استراتيجية صعبة بمعطيات جديدة مليئة بالغموض والتعقيد والهواجس.
وعولمة السياسة العالمية هي على المحكّ ، ومع أزمة اقتصادية متزامنة اضطراب في الاقتصاد العالمي، وارتباك في مرتكزاته الليبرالية، التي كثيرا ما تعطي للسوق الفردية امتيازا فوق جميع أشكال التنظيم الاجتماعي للدولة الوطنية، وعلى نطاق عالمي غير مقيّد ينزع نحو الاستهلاك. والنظام الدولي شبه الفوضوي الذي نعيشه، جوهره الحسابات الاستراتيجية وتعزيز القوّة، التي قلّصت المسؤولية العالمية من أجل التصدّي لقضايا الفقر، والتفاوت بين الشمال والجنوب، وإجهاد المناخ والإضرار بالبيئة، فضلا عن أمن الأفراد والجماعات وحقوق الأقلّيات واللاجئين، وانتهاكات حقوق الإنسان عامّة، . مثل هذا التخاذل الدولي ليس سوى علامة على إفلاس النظام السياسي العالمي في المستويات الأخلاقية والإنسانية بدرجة أولى، من حاصل فشل وكالات نظام الحكم من الهيئات الأممية، لارتباطها إلى حدود هذه اللحظة بدوائر القرار السياسي في بعض الدول ولاسيما بالولايات المتحدة الامريكية، وأيضا بمنطق السوق التجارية والهيمنة الاقتصادية والابتزاز المالي في الدعم والتمويل والأوامر الفوقية، وكذلك بأيديولوجية التمكين والسيطرة وتفكيك الدول، ومنع توحّدها القومي الاندماجي. في الأثناء، عسر استيعاب البُنى الأهلية داخل السودان هو المشكلة الحقيقية بالنسبة لفكر سياسي مهزوم بلا رؤية أو استراتيجية. ما يشغله لا يزال السيطرة على المجال العام، وخنق التعدّدية السياسية، وتطويع القوانين لخدمة مصلحة النظام ومأسسة العقيدة السّلطوية، كي تصبح جزءا لا يتجزّأ من أجهزة الدولة التي يسهل عليها تطويق أطياف المجتمع تحت مجهر الرقابة والاشراف. ونتيجة عجزها عن تشكيل علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، تفاقمت العوامل التي تنخر في جسد الدولة ، وتمنعه من تشكيل نظام أمني متوازن، على غرار الضعف الاقتصادي، وسوء توزيع الثروة، والتوتر بين مختلف المجموعات الإثنية والمناطقية والجهوية. هكذا يحولون النظام السياسي في السودان إلى معوق حقيقي في عملية التغيير والإصلاح، والغريب أن يتهموا الآخرين بالأزمات التي يخلقونها التي وصلت إلى حصائل كارثية على المستوى الوطني، ثم يخطبون في الناس وكأنهم لم يكونوا جزءا من العملية السياسية. هذا لكي لا يحدث التحول الديمقراطي، في مشهد أحدث ارتباك سياسيا واقتصاديا وامنيا لكي لا يحدث انتقال السلطة للمدنيين، وهي تسعى لإقامة نظام فيها سيطرة ثقافية واقتصادية بعد التحرّر الوطني الذي أفرز علاقات غابت فيها السيطرة العسكرية المباشرة مقابل سيطرة ثقافية واقتصادية. . وإلى الآن يرغبون أن يظل السودان في تبعية للدول الاستعماريةوفق إرادة الهيمنة تتحرك في محيطها ، وان لا يستفيد سياسيا واقتصادا وثقافة ومعرفة، وأن لا يستفيد من المتغيرات الدولية، ويظل في حكم مؤبد وخاضع لخبراء العلاقات العامة مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وشركات الإعلان والمال والبنوك والماهرون في الأداء من وراء الكواليس.
الخرطوم 8 نوفمبر2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *