كتب بروف هشام زكريا : مساقط الود العميق..أعلنا عليك الحزن عام على الرحيل ..كلمات في رحيل أستاذنا البروفسير عبد الرحيم نور الدين حامد

هشام عباس زكريا
حتماً الزمان لا يتوقف، ولو توقف، لطلبنا أن يرجع بنا إلى ذلكم اليوم الخالد في ذاكرتنا في العام 1991 حينما بدأنا دراسة الإعلام بجامعة أم درمان الإسلامية، وكنا أول دفعة تُقبل بكلية الإعلام (الحالية) بعد ترفيع قسم الإعلام بكلية الآداب، في صباح أنيق تم استقبالنا في بهو الكلية، وأذكر من المتحدثين أستاذنا البروفسير عثمان أبوزيد الذي قال إنكم ذكرتموني حضوري للعاصمة حاملاً (شنطة من الحديد) للالتحاق بالجامعة، وكان من الحضور المقدم في ذلكم الوقت الدكتور عبد العظيم نور الدين، ضابط القوات المسلحة بالتوجيه المعنوي الذي جاء بزي عسكري أنيق فانطبعت الصورة في الذهن، وربما الكثير من أبناء دفعتنا والذين هم الآن في التوجيه المعنوي قادهم ذلك الحضور الأنيق أن يكون مقصداً وطموحاً لدراستهم للإعلام، في الطرف الأمامي للصف الأول كان يجلس أستاذاً هادئاً وقوراً طيب الملامح، يرتدي البدلة الكاملة في قمة التأنق والتعطر والتزين، لم يتحدث ضمن المتحدثين، لكنه بعد انتهاء الاحتفال أخرج من سيارته كميات من الوجبات على حسابه الخاص وزعها علينا في الكافتيريا، كان في ذلكم الوقت في قمة الشباب والعطاء ،ورسم لنا في هذه الدعوة برنامجاً اجتماعياً متكاملاً دون أن يقول شيئاً، بعد ذلك دخلنا معه القاعات فكان له أسلوب خاص في التدريس يجعل الطالب يشارك في استدعاء المعلومات، بل في بعض المرات يختبرنا في التدريس ويجلس أمامنا طالباً فحبب لنا في فترة باكرة مهنة التدريس الجامعي، صار المرحوم الدكتور عبد الرحيم نور الدين حامد(الذي فقدناه.

الجمعة19/3/2021) صديقاً عزيزاً لنا ونحن طلاب ،فكان يعلق على نوع ملابسنا وألوانها، عاش يحب الجمال والعطر والنظافة، ومات نظيفاً لا يحمل غير حب الوطن والناس، ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذا المقال، فالأستاذ الدكتور عبد الرحيم نور الدين رجل يمكن أن تدخل إليه من عدة أبوب، فهو الأكاديمي المتميز، والصحفي البارع، والإداري الماهر، والأديب الحاذق، والانسان الفاضل منفتح الفكر والعقل والقلب. رحل الدكتور عبد الرحيم نور الدين حامد فجأة دونما وداع، كأنه جاء للوطن بعد رحلة اغتراب ليكون القبر في البلد الذي أحبه وكره أن يعيش بعيداً عنه، كان له مطلق الخيارات أن يعيش في الخليج أو في الولايات المتحدة الأمريكية لكنه اختار الوطن.
ولد أستاذنا الراحل البروفسير عبد الرحيم نور الدين في بلدة (سيرو) شمال شرق مدينة ٲبوحجار (رئاسة محلية ٲبوحجار) في ولاية سنار في العام 1947، فأصطبغ من المكان الجمال والهدوء والروعة ،فعاش ريفي الطباع رغم سفره وعمله في بقاع مختلفة من العالم، وكم احتفى بنا خارج السودان كأنه ذلكم الريفي في منزله البسيط ب(سيرو)، لم تغره الحياة ومباهجها وعلمه ونجاحاته وشهرته، التحق بالدفعة الأولى بقسم الإعلام بكلية الآداب بجامعة أم درمان الاسلامية وتخرج فيها في العام 1971 ضمن عشرة طلاب، ويقول صديقه ودفعته أستاذنا البروفسير النور دفع الله إن البروف عبد الرحيم نور الدين كان أول دفعتهم وقد اتسم بالجدية والحرص على التحصيل، كما أن الأناقة كانت جزءً من شخصيته منذ أن كان طالباً، وقال إن دفعتهم ضمت عشرة طلاب، وهم (محي الدين تيتاوي، عبدالرحيم نورالدين حامد، النور دفع الله، أحمد عثمان، نجم الدين محمد نجم الدين، يوسف عمر عبدالله، محمد عوض الكريم محمد، صالح على التوم، العاقب البشير احمد، عبد العليم الطاهر الطيب، وهؤلاء( والقول لأستاذنا بروف النور) كانوا يلقبون بالعشرة الكرام لأن البروفسير كامل الباقر المدير المؤسس لجامعة أم درمان الإسلامية حيث كان يولى قسم الإعلام عناية خاصة لدرجة أن بقية الطلاب بالجامعة كان يطلقون على قسم الإعلام (طالبات تو) طبعاً كان البروف علي شمو يأخذنا إلى استديوهات التلفزيون فيدرسنا الفن الإذاعي من على أرض الواقع، وأضيف لك أن طلاب الدفعة الأولى هم أول من قام بإجراء بحوث المشاهدين حول برامج تلفزيون السودان بالتعاون مع قسم العلاقات العامة أيام المرحوم أبوبكر عوض ويعتبر ذلك أول عمل أكاديمي لطلاب الدفعة)انتهى حديث أستاذنا بروف النور دفع الله ولكن يبدأ حديث نوجهه لكافة خريجي كلية الإعلام وإدارة الكلية وعلى رأسها الدكتور المبدع عبد العظيم أكول أن يبحثوا عن تلكم الثروة ونأمل تنظيم يوم للوفاء للدفعة الأولى التي دخلت تاريخ التعليم الإعلامي في السودان من أوسع أبوابه ولحسن الحظ أن هناك رجل مبدع نادر يعرف الوفاء في إدارات الإعلام بالجامعة هو الدكتور ضياء الدين يوسف مالك.
بعد التخرج في الجامعة عمل أستاذنا الراحل البروفسير عبد الرحيم نورالدين في صحيفة الأيام وعاصر في تلكم الفترة أسماء كبيرة في عالم الصحافة السودانية نذكر منهم الأساتذة الفاتح التجاني ،عبيد حسن، جعفر عثمان، وشوقي حسن، وكنت الحظ علاقة الود العميقة مع بعض الصحفيين حيث يعتبر الأستاذ الراحل أبوبكر وزيري من أعز أصدقائه، وكذلك الراحل الصحفي محمد زكريا ،وأذكر أنني شاركت مع الزميل الدكتور ياسر يوسف عوض الكريم في التدريس لصالح قسم الإعلام بجامعة غرب كرفان في العام 2001 في النهود فأوصانا أن نزور منزل صديقه الأستاذ محمد زكريا، وقد احتفوا بنا كأن البروف عبد الرحيم معنا، هكذا كان نموذجاً متفرداً من الإنسانية والعلاقات الاجتماعية الراسخة والتواصل حتى مع طلابه فلم ينقطع منا رغم مشغولياته.
نال البروفسير الراحل عبد الرحيم نور الدين الماجستير والدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات وبذلك يكون أحد رواد التخصص في الإعلام من خارج السودان في زمن باكر ،جاء بعد ذلك للسودان ،ثم هاجر إلى الخليج وعمل في عدة جامعات ثم جاء بداية التسعينيات للوطن، وعاد مرة أخرى للخليج وفي هذه الأثناء عمل في الأمارات وقطر، حيث التحق بجامعة الأمارات ثم جامعة قطر ،ثم الشارقة، وآخيراً حط الرحال به بالجامعة الأمريكية بدبي، فكان سفيراً أكاديمياً ووجهاً مشرقاً للسودان، وعلماً من أعلامه في الجامعات الخليجية ، ثم عاد العودة الأخيرة إلى جامعته أم درمان الإسلامية وتعاون مع عدد من الجامعات مثل جامعة العلوم الطبية والتكنلوجيا، وكأنه يقول مع أبي تمام:
نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ
كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ
رحل أستاذنا البروفسير عبد الرحيم نور الدين بعد أن ترك بصماته في قلوب وسلوك طلابه، فعودهم أن يكونوا مختلفين ومفكرين ومبدعين ،كيف لا وهو يختم السؤال في الامتحان(كن ايجابياً في الطرح، مبدعاً في التصور) عبارة ما زالت بذاكرتنا، ومنذ ذلكم الوقت(ربع قرن من الزمان) نسعى أن نحقق هذا الشعار، في مرة من المرات دخل علينا في المستوى الثاني وقال لنا من يعرف (غادة السمان) كان هذا السؤال مدخلاً أن نقرأ لها ونحن مازلنا طلاباً، كان يحب عند السمان المفردة، فانظروا لعناوين رواياتها التي تطرب(عيناك قدري، لا بحر في بيروت، الحب من الوريد إلى الوريد، أعلنت عليك الحب وغير ذلك، وأستاذنا البروفسير عبد الرحيم نفسه له قدرة كبيرة في توليد العناوين المبدعة، فالمتابع لكتاباته في صحيفة الشرق يلحظ ذلك جلياً فهو يكتب مقالات بعنوان (السودان: والحزن البهيج، بكائية على ضريح السودان، منعطف العزاء الشامل، استقلال السودان والأنات المكتومة)،وفي فترات مختلفة في السودان كتب مئات المقالات في عموده الأول (مسارب الضىء) في صحيفة الأيام ،ثم في صحيفة السياسة عموده الثاني(مساقط الضوء)،كما أثرى أستاذنا البروفسير عبد الرحيم نور الدين الساحة الأكاديمية بعدد من المؤلفات والأبحاث باللغة العربية والانجليزية.
إن الكتابة عن أستاذنا البروفسير عبد الرحيم نور الدين هي الكتابة عن تاريخ مشرق ومواقف لن ينساها الزمن ،والعزاء لكل قبيلة الإعلام في السودان خاصة أساتذة الإعلام بالجامعات السودانية والخليجية، وأسرته الصغيرة ونخص شقيقه الأخ مجدي نور الدين وأبنائه الكرام التوأم (فراس ونبراس) والابن حازم بأمريكا وابنته الوحيدة (نوران) التي كانت محط حبه، ونسأل الله لهم التوفيق فقد عبًروا عن جهد والدهم وتفوقوا جميعاً في دراساتهم الجامعية، ويعملون الآن في أرقى المؤسسات العالمية، نختم بالدعاء والمغفرة لأستاذنا الفاضل البروفسير عبد الرحيم نور الدين، ونسال اللطيف أن يلطف به، إنا لله وإنا إليه راجعون











