
في كثير من قصص الحمقى فإن العقل الجمعي ينقسم إلى قسمين أحدهم قد يتقبل الصورة الإيجابية التي نتجت من الفعل الذي تشكلت منه الحماقة ، و الآخر قد تشغله الصورة السلبية في تنفحص الأمر و رفضه برمته ، و خصوصاً عندما تلعب السلطة السياسية دوراً عظيماً في دعم تلك الأسباب التي بدورها تقوم بتوجيه العقل الجمعي لتقبل الصورة الذهنية المأخوذه من الجانب الذي يود أصحاب الغرض إبرازه على السطح دون غيره ، و معظم هذه التصرفات لا يكون مقصدها عفوياً ، فكلها تخضع لأجندة خفية حيث يمكن معرفة ذلك بمراجعة بعص السياقات التاريخية التي قادت لخنق السودان بأيدي أبناءه ، و لعلي حتى الآن لم إستطع الإفاقة من تلك الصدمة التى أحدثها لي أحد الوزراء السودانيين من حملة الجواز الأمريكي و هو يتفاخر بأنه كان من ضمن الذين إستطاعوا أن يقنعوا الغرب لتطويق السودان من عنقه لأجل محاصرة حزب المؤتمر الوطني ، فقد صدرت في حق السودان عدة قرارات دولية صفق لها البعض من الذين إعتقدوا أنها ستكون ضربة قاضية للحزب الحاكم آنئذ ، فدفع ثمن ذلك الشعب السودانى بأكمله و ما زال يدفع ، و ذلك من جراء التعقيدات التى حاصرت هذا البلد المنكوب و مسلوب الإرادة بأفعال أبنائه ، حيث تصعب عليه استيراد العديد من السلع اللازمة للبنية الأساسية والرعاية الصحية ، و قطاع النقل و الحوسبة و البرمجيات و إستمر ذلك حتى بعد أن تم رفع العقوبات التجارية الأمريكية عام 2017 ، حيث ظلت الاستثمارات الأجنبية هزيلة جداً و ما زالت البنوك الأجنبية عازفة عن التعامل مع السودان . و هذا ما أرهق حكومة الفترة الإنتقالية حتى سقط عرابوها في فخ ما تفاخر به ذلك الوزير ، و ما زالت في الحكومة في محاولاتها اليائسة لرفع الحصار عن السودان بصورة أوسع حتى تم إخراجها من المشهد تماماً ، حيث ما زال الشعب السوداني يخضع لوصايا تلك الدول التى نفذت العقوبات ضده .
الحالة السودانية اليوم يصعب قراءتها و لا أجد هنالك من هو كفوء و يحمل رؤية واضحة لفك هذا الخناق ، و كما لا أجد من يستطيع إن يشرح لنا عن مستقبل هذا البلد في الإسبوع المقبل فقط ، فكل الشعب السوداني يعيش بفهم (رزق اليوم باليوم) ، و ذلك لان من يدير المشهد اليوم من على البعد تعمد إن يخفي كثير من التفاصيل ، و جعل معظم الدلالات غائبة عن وعي الشعب السوداني ، و إيضاً يصعب كشف حجابها و لو إضطررنا لأستخدام كل الوسائل الممكنة و غيرها من خلال المراجعات التاريخية التى سبقت ، وإن كانت المصادر شحيحة أيضاً في هذا الإطار .
فمن الأشياء التى تقبض القلوب و التي حدثت بأيدي سودانية 100% منها آثار تداعيات زيادة الكهرباء و التي ضربت القطاع الزراعي في مقتل ، و بهذا الأمر من المؤكد سينهزم الموسم الشتوي في جميع أنحاء السودان و خصوصاً في الولاية الشمالية لاعتماد الري فيها على الكهرباء بصورة مباشره ، حيث أن وحدات الكهرباء التي كانت تكفي المزارع لمدة شهر صارت لا تغطى حاجته لمدة ثلاث ساعات فقط فكيف يمكن تدارك ذلك قبل فوات الآوان ، و لن يلتفت القائمين على الأمر لأجل الإستماع إلى الأصوات التى حذرت من تداعيات ذلك إلا بعد ضياع الموسم ، فنريد أن نعرف لمصلحة من يتم هذا التدمير الممنهج و المقصود ، فهنا ينشأ سؤال يفرض نفسه : هل هذا المشهد كان عفوياً كما نرى أم أن هنالك أمور تم تدبريها بليل فرضتها الظروف الجيوسياسية التي رسمتها أزرع الشر .
و على نسق تلك الجريمة يقوم بعض الناشطين الذين تضامنوا مع قضية موظفي بنك الخرطوم في قضيتهم المطلبية و العادلة ، و نحن نقف معهم في تحقيق مطالبهم و لكن ليس بتلك الوضعية التي تسير بها الآن ، فإذا إستصعب حلها ودياً يجب إن يتم البت فيها في باحات القضاء و أروقة المحاكم ، حيث لا يتم ذلك في فضاءات الأسافير بالشيطنة و الحملات التشويهية ، فإني إستغرب لهذه الحملات التي تنم عن عدم وعي القائمين بها و التي تهدف إلى تقييم تطبيق (بنكك) بغرض التمهيد لإزالته من متجر قوقل ، حيث ذكرني هؤلاء الشباب بقصة الرجل الذي أحس بالحرج حيتما سقط من على ظهر حماره و ضحك عليه الذين شاهدوه فقام بذبح الحمار في مكانه إنتقاماً منه .
فكل من نسأله عن ما يجري في السودان يمارس معنا حماقة هبنقة في الرد و لا يستطيع أن يشبع فضولنا في الإجابة على أسئلتنا ، و هبنقة هذا هو يزيد بن مروان ، و هو الرجل الذي أصاب العرب بالأعياء من شدة حماقته ، و يضرب به المثل في الحماقة ، حيث جعل هذا الرجل في عنقه قلادة من ودع و عظام و خزف و قال : فعلت ذلك وسماً لنفسي حتى لا أضل عنها ، و إن ضللت سأتعرف على نفسي بهذه القلادة ، و يقال في ذات يوم تم تحويلها من عنقه إلي عنق أخيه الذي يشبهه و هو نائم ، فلما أصبح الصبح رأها في عنق أخيه فقال له : يا أخي أنت أنا فمن أنا ؟ ، و أختم إليكم بقصة لهذا الرجل المثير للجدل بحماقته ، ففي ذات مرة فقد بعيرا له فجعل ينادى في وسط السوق من وجده فهو له فقيل له في كل الأحوال فهو ضائع فلم تبحث عنه ؟ ، فقال لهم : فأين حلاوة الوجدان ، و كما في رواية أخري من وجده فله عشرة من البعران فقيل له : لم فعلت هذا يا هبنقة فقال للوجدان حلاوة في القلب .. نحن اليوم نرصد جائزة بحجم السودان عشرة مرات لمن يجعلنا نحس بوجدان وطنيتنا التي سلبت منا عنوة بأيدي أخوة لنا ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .











