الأخبار

رحمة عبدالمنعم يكتب: «برمة والنور حمد».. و«كدمول الجنجويد»

ظهر أمس الإثنين ،برمة ناصر رئيس حزب الأمة القومي، والقيادي بالحزب الجمهوري الدكتور النور حمد، في مقطع فيديو متداول، بوجهين كالحين تعلوهما غبرة، وترهقهما ملامح الانكسار في أحد أصقاع دارفور، وهما يستمعان إلى قائد التمرد محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ويوزعان الابتسامات في حضرته، وسط مشهد تكريم بالخيل، وكأن ذاكرة السودان قد أصابها العطب، وكأن دماء الضحايا صارت ماءً، وكأن صرخات الثكالى وأنين اليتامى وآهات النازحين قد تبددت في صحراء النسيان!

أي سقوط أخلاقي وسياسي هذا الذي يجعل رجلين يتدثران بعباءة السياسة والفكر يقفان في حضرة قائد مليشيا ارتبط اسمها بالقتل والترويع والنهب والتهجير وانتهاك الحرمات، وبالمآسي التي اجتاحت الخرطوم والجزيرة وسنار والفاشر وسائر المدن والقرى المنكوبة؟ وأي ضمير يتسع للابتسام أمام كل تلك المآسي التي ما زالت جراحها تنزف في جسد الوطن؟

لقد ظل برمة ناصر والنور حمد يرفعان شعار «لا للحرب»، ويتحصنان وراء حياد سياسي كذوب، ويقدمان نفسيهما دعاة سلام وحكمة، حتى جاء هذا المشهد ليضع مواقفهما أمام امتحان أخلاقي عسير؛ فالحياد أمام المجازر موقف، والصمت عن انتهاك الأعراض موقف، والتغاضي عن تجويع النازحين واستهداف قوافل الإغاثة موقف، والاصطفاف السياسي مع قائد القوة المرتكبة للجرائم موقف يستحق المساءلة والإدانة.

والسؤال الذي يطارد الرجلين، أين كانت أصواتكما حين استُبيحت الخرطوم؟ وأين كانت مواقفكما حين دُمّرت قرى الجزيرة، ونُهبت ممتلكات أهل بعض قرى سنار، وحوصرت الفاشر، وذاق النازحون مرارة الجوع والعطش والخوف؟ وأين كانت تلك الحكمة التي تتحدثان باسمها حين كان السودانيون يدفنون أبناءهم ويبحثون عن دواء لأطفالهم ورغيف لأمهاتهم؟

وبرمة ناصر الذي تلاحقه أسئلة التاريخ حول دوره في تسليح المليشيات من قبل، يجد نفسه اليوم مسانداً للمشروع المليشياوي ذاته، متلحفاً «الكدمول» ومدافعًا عن قيام السلطة «الدقلاوية»،وظل ينتقل بين الإمارات ونيالا، ويتم توجيهه من قبل حكام (الدويلة)، وهو في أرذل العمر لتنفيذ الأجندة، وظل يبيع مواقفه بثمن بخس.

أما موقف النور حمد المناصر لمليشيا الدعم السريع، فيثير تناقضاً صارخاً مع أطروحته في كتاب «العقل الرعوي»، الذي ينتقد عقلية السيطرة وفرض الأمر الواقع على حساب سيادة القانون والمؤسسات، ويفكك ثقافة الغنيمة والحيازة وبُنى العقل التقليدي المقاوم للتحديث، فكيف لمن انتقد هذه الذهنية أن يساند قوةً تجسد منطق الغلبة والاستحواذ على الدولة ومواردها؟ إنها مفارقة تستدعي مساءلة الاتساق بين التنظير الفكري والموقف السياسي.

والنور حمد، الذي يقدمه البعض مفكراً، فقد عرفه الناس بتعظيم أفكار محمود محمد طه، أو (زوج أسماء)، وقد اتخذ من معاداة الإسلاميين، وقد اتخذ من نقد أفكار الراحل الدكتور حسن الترابي، الذي لا يساوي (غرزة في نعله)، محوراً بارزاً في خطابه السياسي والفكري، حتى بات اختزال الجيش في عبارة «جيش الكيزان» مدخلًا لتفسير الحرب وتبرير المواقف منها،والجيش مؤسسة وطنية لا علاقة لها بحزب أو جماعة، وهنا تكمن خطورة المثقف حين تتحول خصومته الأيديولوجية وعقدته النفسية إلى عدسة وحيدة يرى من خلالها الوطن، فيضيع الإنسان السوداني بين حواشي التنظير ومتون الأحقاد السياسية.

إن الجيش مؤسسة وطنية، وليس خاضعاً لحزب أو جماعة، وقد ردّ الشعب السوداني والجيش على الشعارات التي كان يرددها (صبية المنظمات) و(فتيات القوى المتربصة بالسودان)، وقبروا هتاف (معليش معليش ما عندنا جيش) بشعار (جيش واحد شعب واحد)، في التفاف عظيم حول الجيش الذي يقاتل مليشيات دقلو الإرهابية وداعميها، والذي يحاول المدعو النور التشكيك فيه، وتحويل خصومته وعقدته مع الإسلاميين، الذين قال فيهم التاريخ كلمته وانتهى نظام حكمهم، إلى مسوّغ للاصطفاف مع قوة ارتكبت انتهاكات جسيمة وفظائع، فتلك سقطة فكرية وأخلاقية يستعصي سترها بعبارات الحكمة والسلام.

والمأساة أن بعض المثقفين يمتلكون من براعة اللغة ما يجعلهم قادرين على صناعة أجمل العبارات لتسويغ أقبح المواقف، وتزيين الانحياز بأصباغ العقلانية، وتقديم التخاذل في ثياب الحكمة، وهنا أستحضر قولًا مستلهمًا من غضبة الشاعر مظفر النواب: «البذاءة هي السكوت على الحق.. أليست الخرطوم عاصمة دولتكم؟ فلماذا أدخلتم زناة الليل إلى حجرتها؟»

لقد دخلت مليشيات آل دقلو إلى بيوت السودانيين، واستباحت ممتلكاتهم، وشرّدت أسرهم، وخلّفت وراءها مدنًا مثقلة بالخراب ومقابر تحتضن الضحايا، وحين هبّ السودانيون للدفاع عن ديارهم، وجدوا أمامهم حرباً تخوضها البنادق، وحربًا أخرى تخوضها المواقف السياسية الملتبسة والشعارات التي تتجاهل مسؤولية المعتدي.

لقد أغرت أوهام السلطة والحسم السريع قوى (قحت)، التي راهنت على نتائج الحرب، وظلت ترفع شعار «الإطاري أو الحرب»، ثم جاءت الحرب لتكشف فداحة الرهانات على السلاح والدم والخراب.. السلاح الذي توفره (الدويلة) للمليشيات، والساسة الخونة الذين يوفرون لها غطاءً سياسياً بتوجيه من حكام أبوظبي، الذين يحركون هؤلاء الأراجوزات.

وبعد استعادة الجيش والقوات المساندة له السيطرة على الخرطوم والجزيرة وسنار ومناطق من كردفان، تهاوت حسابات سياسية كثيرة، ووجد بعض أصحاب الشعارات أنفسهم في أصقاع دارفور يطرقون أبواب قائد التمرد، ويلبسون كدموله، ويتلقون تكريمه، بعد سنوات من الحديث عن الدولة المدنية والسلام والانتقال الديمقراطي وشعار «لا للحرب».

يا برمة ناصر ويا نور حمد، إن تأييدكما لـ«كدمول الجنجويد» وظهوركما مع قائد المليشيا يحملان دلالة سياسية وأخلاقية ثقيلة، ويستدعيان منكما تفسيراً صريحاً أمام شعب دفع من دمه وكرامته ثمناً فادحاً لهذه الحرب د، ولكنها «الخيانة الفاضحة» التي لا يوجد لها تبرير.

إن السودان الذي واجه المحنة بصبر أبنائه، وصمود نسائه، وتضحيات شبابه، يستحق من ساسته ومثقفيه وضوح الموقف ونزاهة الضمير، ويستحق أن تكون دماء ضحاياه فوق المصالح الحزبية والحسابات الشخصية والخصومات الأيديولوجية.. وستبقى الأسئلة تطارد أصحاب الحياد الكذوب، ماذا قلتم عن جرائم الجنجويد؟ وماذا فعلتم لوقف الانتهاكات؟ وكيف اجتمعت شعارات السلام مع الابتسامات في حضرة قائد التمرد؟

أما القبح الحقيقي فهو أن ترى الوطن ينزف ثم تبحث عن موقعك في حضرة من أراقوا دمه، والبذاءة أن تصمت عن وجع الضحايا وتستفيض في تبرير مواقف الجناة، والخيانة الأخلاقية أن يتحول شعار السلام إلى ستار للانحياز، وأن يصبح الكدمول خاتمة رحلة بدأت بادعاء الحياد!

وهكذا تسقط الأقنعة ويبقى السودان، وتبقى ذاكرة الشعب التي تحفظ المواقف والأسماء، وتعرف من وقف مع جيشه وشعبه، ومن اختار التصفيق في حضرة قائد التمرد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *