الأخبار

زوبعة في فنجان.. أمل أبوالقاسم

انفضّ الحفل الذي أقامه البعض، إلى جانب العملاء والمأجورين والمطبّلين، وبمشاركة ومن عجب كبيرهم الذي «علّموه السحر»، قائد مليشيا الدعم السريع حميدتي، ومن لفّ لفّه من داعميه، وذلك على خلفية حادثة مقتل معدّنين على الحدود مع مصر. وذلك على طريقة رمتني بدائها وانسلت.

مصر، تلك الدولة التي تصيبهم بالغثيان وتوجعهم حدّ الوجع، لأنها لم تنخرط في حرب السودان، ورفضت المليشيات منذ وقت مبكر، واعترفت بمؤسسات الحكم في السودان، ورفضت قيام حكومات موازية. هذه الأسباب مجتمعة، وربما غيرها مما يفاقم وجعهم، جعلت الحادثة التي يجري التحقق فيها تأتيهم على طبق من ذهب، ليشفوا غليلهم ويتخذوها ذريعة لمحاولة الوقيعة بين البلدين الشقيقين
.
ومن منّا، إلا من تحجّر قلبه، لا يتألم لمقتل إنسان؟ نحن نذرف الدمع لمشاهد معاناة الفلسطينيين وأطفالهم في قطاع غزة، ولغيرها من المشاهد المؤلمة التي تعيشها شعوب العالمين العربي والإسلامي، فما بالكم بمواطنينا وأطفالنا؟

الرحمة والمغفرة للمتوفين في هذا الحادث، وربط الله على قلوب ذويهم، وألهمهم الصبر الجميل. ورغم أن الموت أصبح هواناً في بلادنا منذ أن استباحتها المليشيا، فإن هؤلاء ماتوا وهم يبحثون عن لقمة عيش تسدّ رمق أسرهم وتكفيهم شر العوز، أسوة بأولئك الذين دُفن بعضهم تحت أنقاض المناجم، إما إثر انهيارها أو جراء استهدافهم بمسيّرة غادرة، وبالذين ابتلعتهم البحار ونهشتهم الحيّات، وغيرهم من الشهداء.

نعم، الموت واحد، وأسبابه شتّى. كم من الأرواح أُزهقت جراء هذه الحرب اللعينة التي، ومن عجب، يضرم نارها دعاة «لا للحرب»، بالتحريض والارتزاق وكل الوسائل الغادرة؟ كم من البيوت فقدت فلذات أكبادها وكبارها وزهرات شبابها الذين نُكّل بهم، فيما اغتُصبت حرائرها؟ وكم من زغب الحواصل حصدتهم آلة الموت منذ فجر الحرب وحتى أمس الأول؟

استُشهد مئات الآلاف من المواطنين السودانيين، فيما دُفن بعضهم أحياء، وأُحرق آخرون داخل حاويات. كل ذلك قبل حادثة المعدّنين، وبعدها عشرات الحوادث في معسكرات النزوح وغيرها، وكان جلّ الضحايا من الأطفال والنساء. كل ذلك لم يحرّك فيهم ساكناً، ولم يهزّهم، وإنما هزّتهم حادثة المعدّنين وحدها. لله في خلقه شؤون! عجبي!

بعد انقراض النسخة الأولى من المليشيا وتعويضها بمرتزقة من مختلف أنحاء العالم، وبعد نفاد مخزونهم من الأسلحة باكراً، بات واضحاً أن حرب السودان تُدار بالوكالة. فمنذ اندلاعها، كانت الدويلة وما زالت الراعي الرسمي للحرب، وانخرطت إلى جانبها دول من الجوار. أي إن الوفيات والحوادث المرتبطة بالحرب، والحرب برمّتها، ترتبط بتدخلات تنطلق من دول الجوار. دول تعرفونها جيداً، ليس من بينها مصر، ومع ذلك تبتلعون ألسنتكم وتغضّون الطرف.

خاب فألكم يا هؤلاء؛ فالعلاقة المتجذرة، التي يجري دمها في عروق الشعبين كمجرى النيل الذي يرتوي ويتغذى منه الطرفان، عصية على النيل منها. فالشعب المصري ليس مغفلاً، بل هو واعٍ إلى حد بعيد، أما السودانيون فقد خبروا أساليبكم في الدعاية الرخيصة والاستثمار السياسي في الدماء، منذ ثورة ديسمبر، حين ظللتم تقتاتون من دماء شبابها. إنها تجارة غير رابحة.
ثم، وبعد أن خمدوا قليلاً، جاء حديث رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ليعيد نكء جراحهم، بإشادته بمصر وشكره لها، وتأكيده أن المصريين آمنون في السودان.

طبيعي ألا يروق لهم ذلك، وقد حطّم آمالهم في زعزعة العلاقة بين البلدين، وهي محاولات ظل العمل عليها يجري من علٍ. لكن تلك المساعي تحطمت أمام متانة العلاقة الرسمية والشعبية بين البلدين، التي لم تهتزّ لها شعرة، بل لعلها ازدادت رسوخاً. وإذا كانت العلاقات الدبلوماسية مستمرة مع دول تضرم نار الحرب في السودان، فما بالكم بمصر الشقيقة؟

رحم الله شهداء السودان أجمعين، وشهداء المعارك من العسكريين والمساندين لهم، الذين خضّبت دماؤهم الطاهرة أرض السودان ليبقى ويشمخ. ورحم الله الإخوة المصريين الذين اغتيلوا بلا ذنب جنوه.
والحمد لله أن أخمد نار الفتنة التي سعوا إلى إشعالها، فلم تتجاوز زوبعتهم فنجاناً، مهما حاولوا تضخيمها وشغلوا بها وسائل الإعل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *