
بدايةً، نترحّم على أرواح الضحايا من المعدّنين السودانيين، كما نترحّم على الأشقاء المصريين الذين تعرّضوا لإطلاق النار، جميعهم أرواح بريئة تستحق الحياة، ولا يمكن تبرير قتل إنسان مسلم في أي مكان، ناهيك عن أن يكون من أبناء وادي النيل، الذين تجمعهم روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.
وتظل العلاقة بين مصر والسودان، علاقة قدرية، فوق تقلبات المزاج السياسي، كما أن قيادة البلدين هي الأقدر على التعامل مع مثل هذه الحوادث بحكمة ومسؤولية، بالنظر إلى ما يحيط بها من تعقيدات، وما قد تخلّفه من آثار اجتماعية وسياسية، ويجب عدم تركها إطلاقاً للنشطاء الموتورين والشحن العاطفي ومنصات الشر الموجهة التي لا تريد خيراً للشعبين، وتسعى إلى تأزيم العلاقة بينهما، واستغلال أي أزمة لدفع الناس نحو حافة الصدام والانفجار.
ومع ذلك، إذا ما تأملنا تطورات الأحداث، فسنرى حالة هيجان مفاجئة، ولكنها متوقعة، قادها بعض الساعين للتصعيد، تزامناً مع ظهور قائد المليشيا ورموزها متحمسين لخطاب التحريض ضد مصر، ومحاولة تقديم أنفسهم زيفاً للدفاع عن حقوق السودانيين! وهو ذات الشخص، أي حميدتي، الذي تسبب في قتل وتشريد مئات الآلاف من أبناء السودان في دارفور والخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وسنار، وسرق بيوتنا وبنوكنا ودمر الجسور والمتاحف والمدارس ومحطات الكهرباء والمياه، ولا يقل عن ذلك خبثاً نشاط صفحات مشبوهة مثل “إثيوبيا بالعربي”، التي عمدت إلى مهاجمة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمنطلقات مفضوحة، وقد انتهجت هذه الصفحات أسلوب التعبئة القسرية لتأجيج الأزمة، ويبدو أن دموع التماسيح التي يذرفها عيال نظام أبي أحمد تريد العبور فوق مآسي السودانيين في النيل الأزرق، وقد تسببت فيها إثيوبيا مباشرة، منذ مجزرة مركز أبو شندي بمحافظة ود الماحي، وقصف الدمازين والكرمك والجزيرة والنيل الأبيض، وحتى نهاية أغسطس 2026، وثقت الأمم المتحدة نزوح نحو 99,227 شخصاً جراء المعارك التي اندلعت في محليات باو والكرمك وقيسان.
وانضم إلى الحملة أسماء مثل إبراهيم الميرغني ورشا عوض وتسابيح والتعايشي وراشد نبا، إلى جانب صفحات محسوبة على المليشيا «صحيح السودان» و«أسرار السودان» و«ترند 24 سودان» وقد أسهم هؤلاء في تغذية الفتنة علناً، وعملوا على مدار الساعة بالتحريض والوسوسة لبلوغ نتيجة واحدة، وهم بحيلهم وشيطنتهم وتلك الوسوسة مثل إبليس لبني آدم، إذ يُزينون الباطل ثم يلوون ضاحكين على سذاجة المتابعين، هدفهم أن تُعمي أبصارنا وتشغلنا عن المعركة التي تهدد وجودنا، وأن تصرفنا عن جراح الجنينة والفاشر والسريحة وود النورة والهلالية.
لو أمعنا النظر في محاولات عزل السودان وخنقه عبر حلقة من الجوار الإقليمي، لصدمنا حجم التآمر، إذ شاركت نحو سبع دول في الحرب ضد الدولة السودانية، وجميعنا نتذكر مطالبة حاكم إثيوبيا، أبي أحمد، علانية بحظر الطيران الحربي ونزع المدفعية الثقيلة من الجيش السوداني لصالح الجنجويد، بينما فتحت تشاد وكينيا وجنوب السودان وشرق ليبيا وموانئ الصومال ودوالا في الكاميرون أبوابها لدعم المليشيا، يرافق ذلك شراء ولاءات في الاتحاد الإفريقي والإيقاد، ناهيك عن محاولات تحييد بعض الأطراف العربية.
لم يبق للسودان من جيرانه سوى مصر والسعودية وإرتريا، ومن الأصدقاء الجزائر وتركيا وروسيا، واليوم، يتجدد الفصل الأخير من مسرحية العزل باستهداف العلاقة مع أهم حليف استراتيجي، البلد الذي يقف مع السودان عسكرياً وسياسياً، ويحتوي ملايين السودانيين على أراضيه. وفي المقابل، نجد تشاد ترفض عقد الامتحانات للطلاب السودانيين، وتحتجز بلا ذنب ضباط من الشرطة السودانية في مهمة رسمية، وإثيوبيا تُنكل بالناجين السودانيين في غابات أولالا بالتضييق والطرد، لتعود لخلف أزمة شعبية ودبلوماسية بين السودان ومصر.. فهل نبتلع الطعم، ونترك الأعداء ينجحون في استكمال عزلة السودان الخارجية وتجريده من آخر حلفائه الحقيقيين؟ أم أن وعي الشعب السوداني وقيادته سيكونان بالمرصاد لإحباط هذه المؤامرات؟











