الأخبار

واقعة الطيار السوداني بالقاهرة.. خبراء الطيران: التحقق قبل الحكم والسلامة مسؤولية الجميع

متابعات _ عزة برس

إعداد:المركز السوداني لدراسات وأبحاث ودراسات الطيران المدني

في أعقاب ما نُشر حول واقعة ضبط طيار سوداني في مطار القاهرة، وما أثير حول وجود مواد مخدرة بحوزته، دار نقاش موسع بين عدد من المختصين والخبراء في مجال الطيران حول الأبعاد المهنية والتنظيمية للواقعة، وبصفة خاصة موضوع General Declaration (GenDec)، ومسؤوليات الطيار وشركة الطيران وسلطة الطيران المدني، وأهمية ترسيخ ثقافة السلامة داخل قطاع الطيران السوداني.

ويؤكد المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران أن هذا النقاش لا يهدف إلى إصدار حكم مسبق على الشخص المعني أو التدخل في اختصاص السلطات القانونية، وإنما إلى استخلاص الدروس المهنية والتنظيمية التي يمكن أن تسهم في حماية سلامة الطيران وسمعة الأطقم والناقلات السودانية.

أولاً: الواقعة الفردية لا ينبغي أن تتحول إلى حكم جماعي

يرى المركز أن أي واقعة تتعلق بأحد أفراد الطواقم الجوية يجب التعامل معها باعتبارها واقعة تخص شخصاً بعينه إلى أن تثبت علاقتها بالشركة أو النظام التشغيلي الذي يعمل فيه.

فإذا ثبتت الواقعة رسمياً، فإنها تستوجب التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية والتنظيمية المناسبة، لكنها لا تبرر بأي حال تعميم الاتهام على الطيارين السودانيين أو اعتبارهم جميعاً موضع اشتباه.

وفي الوقت نفسه، فإن الواقعة ـ إذا ثبتت ـ يجب ألا تمر دون استخلاص الدروس المتعلقة بالرقابة على الأطقم، وسياسات المخدرات والكحول، واستخدام بطاقات الطواقم، وإجراءات السفر كـ Deadhead أو Staff Travel.

ثانياً: الـ General Declaration ليست مجرد وثيقة سفر

أحد المحاور الأساسية التي دار حولها النقاش هو طبيعة General Declaration (GenDec) ودلالتها التشغيلية والتنظيمية.

فالـ GenDec هي وثيقة رسمية مرتبطة بالرحلة وتتضمن بيانات الرحلة وأفراد الطاقم وفق المتطلبات المعمول بها.

ومن المهم التمييز بين الشخص الذي يسافر بصفته راكباً عادياً وبين الشخص الذي يتم إدراجه ضمن بيانات الطاقم، حتى وإن لم يكن يؤدي مهمة تشغيلية على الرحلة.

وهنا ظهر في النقاش مفهوم Deadhead Pilot / Deadheading Crew Member.

فالطيار الذي يسافر كـ Deadhead قد يكون مسافراً على متن الرحلة دون أن يكون عضواً في الطاقم التشغيلي العامل في تلك الرحلة، ولكنه يظل في إطار ترتيبات الشركة المتعلقة بأفراد طواقمها، وقد يكون قابلاً للاستدعاء أو الاستخدام التشغيلي وفق الإجراءات المعتمدة وحاجة الشركة.

لذلك فإن إدراج شخص ضمن بيانات الطاقم لا ينبغي أن يتم بصورة شكلية أو عشوائية، وإنما يجب أن يكون وضعه معروفاً ومحدداً ومسؤوليات الشركة تجاهه واضحة.

ثالثاً: إدراج فرد في الـ GenDec يستوجب وضوح المسؤولية

ناقش الخبراء كذلك مسألة المسؤولية المترتبة على إدراج أحد أفراد طاقم الشركة في الـ GenDec.

ومن منظور السلامة وإدارة المخاطر، فإن الشركة عندما تقدم بيانات طاقم إلى السلطات المختصة يجب أن تكون بياناتها دقيقة، وأن يكون لديها نظام واضح للتحقق من وضع أفراد طواقمها وصلاحيتهم للعمل أو السفر وفق الصفة التي تم إدراجهم بها.

وهنا تبرز أهمية سياسات Drug and Alcohol داخل شركة الطيران، وكذلك مسؤولية الشركة في عدم السماح لأي فرد من أفراد الطاقم بالمشاركة في التشغيل وهو تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو أي مادة تؤثر على قدرته على أداء واجباته.

لكن ينبغي التأكيد على أن مجرد إدراج اسم شخص في الـ GenDec لا يعني، بحد ذاته، إثبات تعاطيه أو خلوه من المخدرات؛ وإنما يعني أن الشركة تتحمل مسؤولية دقة البيانات والالتزام بالإجراءات واللوائح التي تحكم تشغيل طواقمها.

رابعاً: اختلاف إجراءات الـ GenDec بين الدول

أثير خلال النقاش موضوع مهم يتعلق باختلاف الإجراءات بين الدول والمطارات، بما في ذلك قبول أكثر من نسخة أو صيغة من الـ GenDec، واستخدام الوثيقة في إجراءات دخول أفراد الطاقم إلى الدولة.

وهذا الاختلاف يؤكد ضرورة عدم التعامل مع الـ GenDec باعتبارها وثيقة موحدة من الناحية الإجرائية في جميع دول العالم دون النظر إلى المتطلبات الوطنية للدولة المضيفة.

فالدولة المضيفة قد تكون لديها متطلبات إضافية تتعلق بدخول أفراد الطواقم، والتأشيرات، والتصاريح، والوثائق، والأمن والهجرة.

ومن ثم، فإن أي تحليل للواقعة يجب أن يميز بين:

متطلبات دولة تسجيل أو تشغيل الناقل.

متطلبات شركة الطيران.

متطلبات سلطة الطيران المدني.

متطلبات سلطات الهجرة والأمن في الدولة المضيفة.

الصفة التي دخل بها الشخص فعلياً إلى الدولة.

وهذه نقطة مهمة لتجنب الاستنتاجات غير الدقيقة حول مسؤولية أي طرف.

خامساً: مسؤولية الطيار

اتفق النقاش على أن المسؤولية المهنية الأولى للطيار هي الالتزام بالقوانين واللوائح والتعليمات التي تحكم مهنته.

فالطيار، سواء كان في مهمة تشغيلية أو مسافراً بصفة Deadhead وفق ترتيبات الشركة، يظل ممثلاً لمهنته وللشركة التي يعمل بها، وعليه أن يتجنب أي سلوك قد يؤثر على سلامة الطيران أو سمعة المهنة.

وبصفة خاصة، فإن تعاطي المخدرات أو الكحول بطريقة تؤثر على القدرة على أداء الواجبات الجوية يمثل خطراً جسيماً على السلامة.

كما أن حيازة المواد المحظورة، إذا ثبتت، تخضع للقوانين الجنائية والتنظيمية للدولة التي وقعت فيها الواقعة، ولا يمكن اعتبار الصفة المهنية غطاءً أو حماية من تطبيق القانون.

سادساً: مسؤولية شركة الطيران

مسؤولية الشركة لا تقتصر على تشغيل الطائرة.

الشركة مسؤولة عن وجود نظام فعال لإدارة أفراد الطواقم، وعن التحقق من أهليتهم وصلاحيتهم للعمل، وعن تطبيق سياسات واضحة بشأن المخدرات والكحول، وعن سلامة ودقة البيانات المقدمة إلى السلطات.

كما يجب أن تكون هناك إجراءات واضحة للتعامل مع أفراد الطواقم الذين يسافرون كـ Deadhead، بحيث يكون معروفاً:

هل الشخص في مهمة أم مسافر فقط؟

هل هو ضمن الطاقم التشغيلي أم خارج الطاقم؟

ما هي صفته على الرحلة؟

هل هو قابل للاستدعاء؟

من المسؤول عن التأكد من أهليته؟

وما هي الإجراءات التي تمنع أي شخص غير صالح للتشغيل من المشاركة في الرحلة؟

وهذه ليست إجراءات ورقية، وإنما جزء من منظومة Safety Management System – SMS وإدارة المخاطر داخل الناقل.

سابعاً: مسؤولية سلطة الطيران المدني

سلطة الطيران المدني هي الجهة الرقابية، ومسؤوليتها الأساسية التأكد من أن الناقلات الجوية تعمل وفق القوانين واللوائح والاشتراطات المعتمدة.

ولا يعني ذلك أن السلطة مسؤولة عن كل فعل شخصي يقوم به فرد خارج نطاق عمله؛ لكن عليها التأكد من أن شركات الطيران لديها أنظمة فعالة للرقابة على أطقمها، وسياسات واضحة للمخدرات والكحول، وإجراءات مناسبة لإدارة صلاحية أفراد الطواقم.

كما أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لضعف الرقابة.

فالظروف قد تفرض قيوداً عملية على قدرة السلطة، لكنها لا تلغي مسؤوليتها التنظيمية.

ثامناً: ثقافة السلامة مسؤولية الجميع

من أهم النقاط التي برزت في مداخلات المشاركين ـ ومن بينهم الكابتن إبراهيم أبوسن، والأستاذ محيي الدين رأفت، والأستاذ حسن وقيع الله، والأستاذ محمد الطيب، والأستاذ طارق أبوقصيصة، و دكتور علاء العاص و باشمهندس شبلوف طه، عزيز صلاح الدين و ابراهيم احمد ، بالإضافة الي إبراهيم عدلان ـ التأكيد على ضرورة نشر ثقافة السلامة Safety Culture داخل قطاع الطيران السوداني.

والسلامة ليست مسؤولية الطيار وحده.

كما أنها ليست مسؤولية شركة الطيران وحدها، ولا مسؤولية سلطة الطيران المدني وحدها.

إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من:

الطيار → الطاقم → الشركة → الإدارة العليا → سلطة الطيران المدني → وكلاء المناولة والمطارات → الأجهزة الأمنية والهجرة → وكل منظومة الطيران.

كل طرف في هذه السلسلة لديه مسؤولية محددة، وأي خلل في أحد أجزاء المنظومة يمكن أن يتحول إلى خطر إذا لم تتم معالجته.

تاسعاً: لا ينبغي أن تكون ثقافة السلامة ثقافة عقاب فقط

ومن الدروس المهمة التي ينبغي التأكيد عليها أن ثقافة السلامة لا تعني فقط البحث عن المخطئ ومعاقبته.

بل تعني أيضاً اكتشاف الخلل مبكراً، والإبلاغ عنه، وتحليل أسبابه، ومعالجة جذوره، ومنع تكراره.

فالهدف النهائي من التحقيق في أي واقعة طيران هو الوصول إلى إجابة عن سؤالين:

ماذا حدث؟

وكيف نمنع حدوثه مرة أخرى؟

مع المحافظة في الوقت نفسه على حق السلطات القانونية في اتخاذ الإجراءات الجنائية عندما تكون هناك مخالفة للقانون.

عاشراً: التوصية المؤسسية للمركز

يوصي المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران بما يلي:

1. التحقق رسمياً من واقعة القاهرة قبل إصدار أي أحكام أو مواقف مهنية نهائية.

2. مراجعة وضع الشخص المعني في الرحلة والتحقق مما إذا كان مسافراً كراكب عادي أم ضمن ترتيبات طاقم أو Deadhead.

3. مراجعة الـ GenDec والوثائق المرتبطة بالرحلة للتأكد من الصفة التي تم إدراج الشخص بها.

4. مراجعة سياسات شركات الطيران السودانية الخاصة بالمخدرات والكحول والتأكد من تطبيقها عملياً وليس فقط وجودها في الوثائق.

5. مراجعة إجراءات السفر الخاصة بأفراد الطواقم وDeadhead Crew والتأكد من وضوح المسؤوليات.

6. تعزيز الرقابة على شركات الطيران من جانب سلطة الطيران المدني، خصوصاً في مجال إدارة الطواقم واللياقة والسلامة.

7. تعزيز ثقافة السلامة والإبلاغ داخل شركات الطيران، بحيث يستطيع العاملون الإبلاغ عن المخاطر دون خوف من الانتقام أو التستر.

8. التنسيق المؤسسي بين سلطة الطيران المدني وشركات الطيران وسلطات المطارات والهجرة والأمن لتوحيد فهم الإجراءات المتعلقة بأفراد الطواقم.

9. عدم الخلط بين الصفة المهنية والمسؤولية القانونية الشخصية؛ فالطيار مسؤول عن أفعاله الشخصية، والشركة مسؤولة عن أنظمتها وإجراءاتها، والسلطة الرقابية مسؤولة عن أداء دورها التنظيمي.

10. استخلاص الدروس من الواقعة أياً كانت نتيجتها، لأن الهدف النهائي هو رفع مستوى السلامة والثقة في الطيران السوداني.

كلمة أخيرة

إن الطيران منظومة لا تحتمل المناطق الرمادية في مسائل السلامة.

وفي الوقت نفسه، فإن العدالة المهنية تقتضي عدم إدانة أي شخص قبل ثبوت الوقائع من مصادرها الرسمية.

ومن هنا يرى المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران أن التعامل الصحيح مع مثل هذه الوقائع يجب أن يقوم على ثلاثة مبادئ متوازنة:

التحقق قبل الحكم،
المساءلة عند ثبوت المخالفة،
والتعلم لمنع تكرارها.

إن سمعة الطيران السوداني مسؤولية جماعية، والمحافظة عليها لا تكون بالتستر على الأخطاء، كما لا تكون بالتعميم والإدانة الجماعية، وإنما بالشفافية، والرقابة الفعالة، وتحديد المسؤوليات، وتطبيق معايير السلامة، وبناء ثقافة مؤسسية تجعل السلامة مسؤولية الجميع.

المركز السوداني لدراسات وأبحاث ودراسات الطيران المدني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *