الأخبار

رمضان محجوب… يكتب : حادثة “مسجد عبري”..!!

▪️​الوسطية التي عهدناها في ربوع الولاية الشمالية لم تكن مجرد خيار عابر، بل كانت سمة أصيلة تجذرت في وجدان أهلها منذ أن وطئت أقدام الإسلام أرض السودان عبر بوابتها الشمالية. وظلت هذه الأرض الطاهرة مثلاً حياً للتسامح الديني والتعايش السلمي، حيث تتسع القلوب للجميع بلا إفراط ولا تفريط، ودون جنوح نحو غلو أو تشدد يفسد صفو المجتمع.
​▪️لستُ عالماً دينياً، ولا أدعي التفقه في علوم الشريعة، غير أن حادثة “مسجد عبري” تفرض علينا دق ناقوس الخطر والتحذير من مغبة الانزلاق نحو التشدد والتعصب الأعمى، مصداقاً للحديث الشريف: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). فالتاريخ والواقع يشهدان بأن الغلو في الدين لا يورث إلا الدمار، وأن التشدد يأتي دائماً بما هو أسوأ، ليهدم بجهل ما تعبد لتأسيسه عقول الحكماء على مدى القرون.
▪️ تجلت هذه المخاطر بأقبح صورها فيما شهدته منطقة التعدين الأهلي بمحلية عبري يوم الجمعة الماضية، حيث أُضرمت النيران في مسجد طاهر تحول بفعل الاحتقان المذهبي إلى ساحة صراع، إثر خلافات حادة بين المصلين حول شرعية إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، وهو أمر كان بالأحرى أن يكون مناسبة لتألق المحبة والرحمة بين المسلمين بدل أن يتحول إلى وقود للفرقة.
▪️​انطلق هذا النزاع داخل المسجد فور الانتهاء من أداء صلاة الجمعة، حين تصاعدت الخلافات بين فصيلين من المصلين حول مشروعية الاحتفال، قبل أن تتطور المشادات الكلامية السريعة إلى اشتباكات بالأيدي وأعمال تخريب همجية طالت أروقة بيت من بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
​▪️وأفادت مصادر محلية مطلعة بأن أعمال التخريب المروعة شملت تدمير التجهيزات الأساسية للمسجد، حيث التهمت النيران منظومة الطاقة الشمسية بكاملها، فضلاً عن تحطيم عدد من مكيفات الهواء وقطع الأثاث، في مشهد يعكس مدى القسوة التي يجر إليها التعصب عندما يعمى الأبصار والبصائر.
▪️​وفي الوقت الذي تواصل فيه الجهات المختصة حصر حجم الدمار الشامل الناجم عن هذه الواقعة الأليمة، لم تُعلن أي حصيلة رسمية حتى الآن حول الخسائر البشرية أو الإصابات، إلا أن الخسارة المعنوية والأخلاقية بانتهاك حرمة دور العبادة تظل هي الجرح الأعمق الذي يصعب رتقه دون وقفة مجتمعية جادة.
▪️​نحن في حاجة ماسة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى العودة الصادقة إلى الهدي القرآني الحكيم في الدعوة والإصلاح، حيث يقول المولى عز وجل: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، وحيث يقول في محكم تنزيله مخاطباً سيد البشرية: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك). فبالحكمة وحدها تُدار الخلافات، وباللين تستميل القلوب، لا بالحرق والتخريب وإذكاء نار الفتنة.
▪️عموما.. يتطلب ردم هذا التصدع المفاجئ في نسيجنا الديني حكماء وعقلاء يضعون الحلول الجذرية في إطار الوسطية السمحة، لقطع دابر كل فكر متطرف يحاول النيل من سلمنا الاجتماعي، فحفظ النفوس وحفظ دور العبادة ووحدة الصف مقدمة على كل خلاف فقهي فرعي، حتى لا نجد أنفسنا في مهب ريح عاصفة لا تبقي ولا تذر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *