*توثيقاً لجهود الرواد وصوناً لذاكرة الجالية السودانية في المنطقة الشرقية (الجزء الخامس) بقلم : هشام عثمان مكي

أشار إليّ بعض الأصدقاء أن أجمع هذه الشهادات وأوثقها في كتاب، وصراحةً لست متحمساً لذلك، وكل ما أرجوه أن تكون هذه الذكريات ذات فائدة. أما عن فكرة طباعتها فهي فكرة كريمة سأضعها في عين الاعتبار متى ما تكاملت أركانها وتيسرت الظروف، وهذا يتطلب جهداً كبيراً وتعاوناً، ولذا سأكتفي بتدوينها في شكل حلقات وأتركها للأيام حتى تنضج الفكرة.
وخلال نشاطي المصاحب لهذا التوثيق، اتصلت الأيام الفائتة بالبروفيسور سيد أحمد محمد سعيد رئيس لجنة التعليم بالجالية وهو كذلك كان عضوا فاعلا في لجنة طريق شريان الشمال (الذي سنعود اليه لاحقا)، ثم اتصلت بالبروفيسور صالح عثمان دفوعة الأستاذ بجامعة الملك فهد للمعادن والبترول وعضو لجنة التعليم بالجالية، كما سجلت عددا من الأسئلة للأستاذ محمد أحمد مكي رئيس الجالية الأسبق عبر الواتساب، وذلك تمهيداً لمواصلة سرد تاريخ الجالية، مع تسليط الضوء في هذا المقال على محور بالغ الأهمية، وهو التعليم:
*أولاً: مجهود الجالية في التعليم العالي*
سبقت مشاركة الجالية في المؤتمر العام الرابع لجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج ورقة عمل مهمة بعنوان (دور المغتربين في المشروعات والتحديات القومية على الساحة السودانية)، قدمها الأستاذ محمد أحمد مكي ونالت قبولاً واسعاً، مما جعل الأرضية مهيأة تماماً لمشاركة الجالية في المؤتمر الرابع للمغتربين في أغسطس من العام 2000م بمشاركة قوية جداً. ونظراً لسيطرة قضية التعليم على أجندة المؤتمر، فقد حظي هذا القطاع باهتمام استثنائي ومباشر من الجالية. وعقب حضور الوفد من المؤتمر، تشكلت مباشرة لجنة التعليم في العام 2001، وضمت كلا من: البروفيسور سيد أحمد محمد سعيد، والبروفيسور صالح دفوعة، والدكتور عبد الله الصديق، والأستاذ محمد أحمد مكي (رئيس الجالية الذي تولى جانب التنسيق مع السفارة، ووزارة التعليم العالي، والوفود الرسمية الزائرة الى المملكة) ومع مرور الزمن التف حول اللجنة عدد من أساتذة جامعة الملك فهد وجامعة الدمام وكثير من المدرسين في مراحل التعليم المختلفة في المنطقة الشرقية وساهموا في اعمالها. وقد وضعت اللجنة نصب أعينها ملفين أساسيين، هما: ملف “قبول أبناء المغتربين بالجامعات السودانية” والملف الثاني: تبني فكرة إنشاء “جامعة للمغتربين” والتي برزت فكرتها في المؤتمر الرابع في أغسطس 2000م.
*الملف الأول: “قبول أبناء المغتربين بالجامعات السودانية”*، حيث سعت اللجنة طويلاً لمراجعة نظام القبول وزيادة عدد المقاعد بما يحقق المصلحة العامة. وفي هذا السياق ومن أهم إنجازات الجالية تقديم دراسة أكاديمية وتعديلات في نظام معادلة الشهادات الثانوية بطريقة الرتب المئينية عملت بها وزارة التعليم العالي عدة سنوات حتى العام 2013م، ثم تم الغاء هذا النظام من قبل الوزارة بظام الكوتة، فتصدت لهم اللجنة مرة أخرى بدراسة علمية متكاملة لمعادلة الشهادات غير السودانية بعنوان (الصيغة العلمية الأمثل لمعادلة الشهادات غير السودانية للقبول في الجامعات السودانية)، والتي قدمها البروفيسور صالح دفوعة، والتي قامت على أساسين علمي وقانوني، منتقدة نظام الكوتة لافتقاره لأي سند علمي أو قانوني، واعتمدت على أن الشهادة السودانية هي الأصل وأن تُعادل الشهادة العربية بالشهادة السودانية ككل عبر تطوير معامل المعادلة بطريقة الرتب المئينية. وبجهود مضنية ودراسات مستفيضة، ساهمت تلك التحركات في ارتفاع معدل حصول أبناء المغتربين نسبة مقدرة بلغت حوالي 15% كحصة أساسية للمقبولين. وفي هذا نظمت اللجنة ورشة عمل كبرى بحضور مديري جامعة الخرطوم وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا كممثلين للوزارة، تم خلالها إجازة مقترح نسب الكليات والمقاعد ليصل إلى 15%، وهو إنجاز كبير وافقت عليه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي خلال لقاء اللجنة بالوزيرة آنذاك الدكتورة سمية أبو كشوه، وحققت هذه الدراسة غاياتها وحظيت باهتمام المسؤولين.
وخلال سنواتها كلها خاضت اللجنة حراكاً مؤسسياً واسعاً أسهم في نشر الثقافة والمعرفة بطرق التقديم والمعادلة لدى الطلاب وأولياء الأمور، وخاطبت الجالية خلال حراك هذه اللجنة السيد رئيس الجمهورية عدة مرات، واثناء احدى الاجتماعات اتصلت الجالية مباشرة بنائب رئيس الجمهورية للتدخل في هذا الامر، والتقت برئيس المجلس الوطني، واجتمعت اللجنة بوزير التعليم العالي الدكتور مبارك المجذوب أكثر من ثلاث مرات، والدكتورة سمية أبو كشوة، فضلاً عن عقد اجتماعات مكثفة متكررة مع المسؤولين المباشرين في الوزارة، من بينهم البروفيسور عوض حاج علي (المدير المسؤول عن الشهادة العربية بوزارة التعليم العالي)، والدكتور عاصم أحمد حسن (مدير الإدارة العامة للقبول وتقويم وتوثيق الشهادات) أكثر من مرة وعدد من المسؤولين بالوزارة. وتكللت هذه الجهود بتبني الوزارة للمقترح الذي قدمته جالية الشرقية ضمن نظام المعادلات الأهلية.
ومن إيجابيات هذا الحراك الثقافة الواسعة التي اكتسبها أولياء الامر والطلاب بالمنطقة الشرقية والمملكة عامة من خلال المحاضرات التي كانت تقدمها اللجنة خلال مناشط الجالية وخلال استقبال الجالية لمكتب القبول بفندق الدمام ومن خلال البعثات القنصلية التي كانت تعبر بمثابة أسبوع ثقافي متكامل.
الملف الثاني: فكرة إنشاء “جامعة خاصة بالمغتربين”؛ والتي مثلت فيها إشارة البروفيسور حافظ الشاذلي في أغسطس 2000م الحجر الأساس والنواة الأولى لانطلاق هذا المشروع الحيوي أثناء كلمته أمام المؤتمر، حيث اقترح قيام الجامعة. بعدها مباشرة، سعت اللجنة بقوة لإقامة هذه الجامعة، وحضر البروفيسور سيد أحمد والأستاذ محمد أحمد مكي كل الاجتماعات التحضيرية الأولى التي تبلورت فيها الفكرة، ونشطت هذه الاجتماعات في العام 2001م بانضمام بقية أعضاء اللجنة. قدمت الجالية عدداً من الأوراق والأفكار لهذا المشروع إلى أن تم تشكيل لجنة مشتركة على مستوى المملكة ضمت ممثلين عن الجالية هما: البروفيسور سيد أحمد والأستاذ محمد أحمد مكي.
وبعد تسويق الفكرة وبلورتها في المنطقة الشرقية عبر عدد من المناشط واللقاءات، وتقرر قيام شركة مساهمة تمثل المغتربين في التأسيس، انضم عدد كبير من السودانيين بالمنطقة ونشطاء الجالية كمساهمين مؤسسين عبر الشركة. وانحصر دور الجالية في استضافة مندوب الشركة عدة مرات لتسجيل المساهمين اثناء البعثات القنصلية وغيرها، وعقد عدة لقاءات لتنوير الراغبين في المساهمة. وقد أعدت اللجنة دراسة جدوى مبدئية حول هذا المشروع شارك فيها نخبة من الأساتذة، حيث نشط عدد من أساتذة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن أمثال البروفيسور ابن الوليد علي حسين، وجامعة الدمام أمثال البروفيسور حسن عبد الحفيظ وآخرين مع الهيئة الطوعية لدعم التعليم العالي. كما ساهمت الجالية بنشر دراسة الجدوى التي أعدتها الهيئة الطوعية لدعم التعليم الجامعي بالسودان عن “جامعة المغتربين من وجهة نظر المغتربين” في العام 2005م، والتي قدمها البروفيسور محمد حامد عبد الله في مايو 2005م. وظل جهد اللجنة مستمراً وتوسع نشاطها بتفاعل عدد كبير من أساتذة الجامعات وغيرهم بالمنطقة الشرقية حتى رأت الجامعة النور في العام 2010م.
*ثانياً: إنشاء أول مدرسة نظامية للمنهج السوداني:*
بذلت الجالية محاولات كبيرة لإقامة مدرسة نظامية منذ بداية اهتمامها بملف التعليم، ونظراً للقيود التي كانت تفرضها جامعة الدول العربية، لم تتمكن الجالية من إنفاذ ذلك. وقد لعب المرحوم عثمان عبد الله (رئيس الجالية الأسبق) دوراً كبيراُ في هذا المجال، مستفيداً من علاقات العمل التي تربطه بإدارة التعليم بالمنطقة الشرقية.
ومن أعظم الاجتهادات في هذا الشأن، اجتماع الجالية مع صاحب السمو الأمير جلوي بن عبد العزيز بن مساعد نائب أمير المنطقة الشرقية، خصيصاً لهذا الغرض. وضم وفد الجالية الأستاذ محمد أحمد مكي، والأستاذ محمد جميل، والشيخ أمين الطيب، والأستاذ صديق هاشم، والأستاذ الفاتح الخطيب وآخرين، حيث استلم سموه ملفاً كاملاً عن المدرسة يحوي إحصاءات وغيرها.
وتُعد مسيرة إنشاء أول مدرسة نظامية للمنهج السوداني من أعظم المحطات التعليمية وأبرزها، ولم تنجح هذه المسيرة المباركة إلا في العام 2015م بوضع اللبنة الأولى، والتي لعب فيها المرحوم عثمان عبد الله رئي الجالية الأسبق والأستاذ وليد أحمد إبراهيم بدين (عضو اللجنة التنفيذية ورئيس رابطة الطلاب) دوراً بارزاً، وبمتابعة مستمرة من السيد السفير، شُكّلت “لجنة الآباء” التي حملت الأمانة بكل إخلاص. وتكونت اللجنة من: الدكتور عمر الحوري، والدكتور معتز (بالتخصصي الدمام)، والدكتور محمد أبو العائلة، والدكتور فضل خيري، والأستاذ عمار الحاج، والأستاذة هناء، وعدد من الأساتذة. وتواصل سعي هذه اللجنة لأكثر من عام ونصف في تنسيق دائم مع السفارة وإدارة التعليم الأهلي والأجنبي بالشرقية عبر اجتماعات متواصلة، وبمتابعة من المستشارية الثقافية بالسفارة. وتكللت هذه المساعي بالنجاح بافتتاح أول مدرسة نظامية استضافت المسار السوداني لمدة عامين بمدرسة “سمها العالمية”، وهي المدرسة الوحيدة التي منحتها إدارة التعليم إمكانية العمل بنظام (نور) السعودي للمسار السوداني.
وقد قامت لجنة أولياء الأمور باختيار طاقم أكاديمي مميز لتدريس الطلاب وفق معايير دقيقة تشترط توافقها مع مواصفات وزارة التربية والتعليم وامتلاك الخبرة في التعليم، كما تعاقدت اللجنة مع مطبعة في الرياض لتوفير كتب المقرر لجميع المراحل، وظلت تشرف على كل كبيرة وصغيرة. وجلس لامتحان الشهادة عدد مقدر من الطلاب الذين أصبحوا اليوم في كليات الطب والهندسة وغيرها. وانضم إلى اللجنة عدد آخر من أولياء الأمور، منهم الأستاذ عوض الجيد والأستاذ محمد ديناري، وما زال التحدي أمامهم في إرجاع هذا النظام.
وفي مسعى لتقديم الخدمات للطلاب، بدأت مساعٍ من عدد من أولياء الأمور على رأسهم الأستاذ بخيت أبو ريدة لتكوين رابطة تجمع الطلاب، إلى أن تم التأسيس الفعلي على يد الأستاذ وليد أحمد إبراهيم بدين الذي اجتهد كثيراً في هذا الأمر.
*ثالثاً: الأنشطة والخدمات الطلابية:*
كانت الجالية تستضيف سنوياً وفد لجنة القبول بفندق الدمام برئاسة الدكتور عاصم أحمد حسن، وذلك قبل أن يتحول التقديم إلى النظام الإلكتروني.
وسنّت الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية -كعادة حميدة- تكريم الطلبة المتفوقين في جميع المراحل الدراسية سنوياً، بحضور شخصيات بارزة من السفارة، حيث كان يشرفها السفير سليمان عبد التواب، والقنصل خالد أحمد محمد علي، والقنصل أحمد يوسف، وغيرهم من أعضاء السفارة خلال الأيام المفتوحة التي كانت تقام. وتُوزع الجوائز والشهادات التقديرية بحضور المسؤولين وأمام ذوي الطلاب، مما يُعد حافزاً لهم للمزيد من النجاح ودافعاً لزملائهم للاقتداء بهم. وقد أُقيمت هذه الاحتفالات في عدة مواقع بارزة تشمل: منتجع الأمير محمد بالهاف مون، منتزه الملك فهد بالدمام، صالة فندق الدمام، قاعة الشرق الأوسط، وعدداً من الاستراحات بحي الفيصلية على مدار دورات الجالية.
ولم يتوقف الجهد عند ذلك، بل امتد لتقديم خدمات ميدانية وتدريبية مباشرة للطلاب والطالبات، حيث استجلبت الجالية عدداً من المختصين أمثال الدكتور أحمد الكمن، والدكتور أحمد حامد وغيرهم. ومن أبرز خدمات الجالية الجليلة تنظيم حصص التقوية التي استهدفت أبناء الأيتام والمحتاجين في دار الجالية، وإقامة دورات تدريبية بمدارس جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إضافة إلى تنظيم دورات تدريبية للطلاب والطالبات في نوفمبر 2014م باستراحة الوشم بحي الفيصلية، تبصيراً لهم باختبارات القدرات والتحصيل وبمشاركة عالية من الطلاب.
وعلى صعيد الخدمات القنصلية وشؤون الطلاب وتذليل عقباتهم، كانت للجالية وقفات مشهودة تمثلت في التنسيق مع السفارة لحضور طاقمها إلى فندق الدمام خصيصاً لتوثيق الشهادات. وفي مرحلة لاحقة خاصة باستخراج الرقم الوطني، سيرت اللجنة التنفيذية أكثر من 6 رحلات ناجحة خلال الفترة من 2014م وإلى نهاية فترة لجنة التسيير في العام 2018م بنجاح تام وبشهادة الآباء، وذلك لاستخراج الرقم الوطني للطلاب والأسر. كما كانت الجالية توفد مندوباً خاصاً لتوثيق شهادات الطلاب وختمها من السفارة بالرياض لعدد من الطلاب الذين لا يستطيعون السفر. وعند تحول التقديم إلى النظام الإلكتروني، تولت الجالية مهام سداد الرسوم واستلام بطاقات التقديم الإلكتروني من الرياض للطلاب المتقدمين للجامعات السودانية، وإحضارها لهم حتى مقرات إقامتهم بالدمام.
نواصل إن شاء الله، وفي الحلقة القادمة نتحدث عن النشاط الثقافي والمؤتمرات.











