توثيقاً لجهود الرواد وصوناً لذاكرة الجالية السودانية في المنطقة الشرقية (الجزء الرابع) بقلم : هشام عثمان مكي

يبدو أن هذه السلسلة من المقالات التوثيقية سوف تطول، ففي الوقت الذي كنت أعد فيه للكتابة عن محوري التعليم والنشاط الثقافي، راودتني الفكرة بأن آخذكم أولاً في جولة لنتعرف معاً على المجلس العام (وهو بمثابة الجمعية العمومية التي تنتخب اللجنة التنفيذية للجالية) ثم نواصل، وفي هذا التطواف نكون قد استصحبنا معنا إشارة الدكتور الدرديري الجيلي إلى أن التنافس القوي الشريف هو سر التميز الذي لازم جالية الشرقية، على أن نضيف إلى ما قال عنصراً محوريّا لا يقل أهمية ألا وهو “الرقابة” إذ ظل المجلس هو العين الساهرة والجهة الرقابية الفاعلة على أداء اللجنة التنفيذية.
هذا المجلس العام السبعيني، الذي بدأت أعماله في عام 1999م منطلقاً بخمسين عضوا قبل أن يُعدل لاحقاً إلى سبعين عضواً، يُعد في حد ذاته إنجازاً كبيراً وإطاراً تنظيمياً رائعاً وتجربة رائدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تجربة تتسع أبعادها للاستفادة منها واستلهام دروسها في المستقبل، فضلاً عن دورها البالغ في امتصاص غضب الفئات غير الراضية عن العمل العام وإشراكها في الإطار التداولي، إنه بحق كان حجر الأساس لوحدة السودانيين بالمنطقة الشرقية.
*هيكلة المجلس:*
وكما أشرنا في مقالنا الأول إلى طريقة تكوينه المتنوع جغرافياً ومهنياً ورياضياً (والتي شملت عشرة أعضاء مُصعّدين من المجلس السابق، وستة وعشرين ممثلاً للجمعيات المناطقية، وست عشرة رابطة مهنية، وأربع روابط رياضية، وأربع جاليات فرعية، وأربعة مقاعد للمناطق التي ليس لها جمعيات يتم اختيارهم عبر المجلس، إلى جانب ستة مقاعد مخصصة للشباب والفاعلين في المجتمع) فقد أثبتت هذه الهيكلية قدرتها الفائقة على استيعاب التنوع الثري للكيان السوداني وتمثيله بأفضل صورة ممكنة، وكان عدد الجمعيات المسجلة لدى الجالية في حدود 87 جمعية ورابطة.
ولقد تعاقب على رئاسة المجلس العام في دوراته المختلفة قامات وطنية سامقة أبلت بلاءً حسناً في خدمة الجالية، استهلالاً برئيسه الأول المرحوم أحمد البشير “تويوتا” ثم المرحوم محمد عبد اللطيف، فالبروفيسور إدريس محمد السلاوي، تلاه الأستاذ محمد أحمد مكي، والأستاذ جبريل الفضيل رحمه الله (ولا أدري هل ترأس المجلس في إحدى دوراته أم كان نائباً؟)، وأخيراً المرحوم الأستاذ البلولة قريب الله.
*انضمام الجاليات الفرعية:*
ولا بد لي هنا من الإشارة إلى إنجاز مهم آخر يتمثل في ضم الجاليات القائمة في المدن الفرعية إلى المجلس وإنشاء فرعيات جديدة في مدن لم تكن بها أي تكوينات سابقة، فتم ضم جالية الجبيل القائمة للمجلس العام، وكان حضورها في مناشط الجالية مشرفاً بجهود رجالاتها الأبرار، أمثال: الشيخ عبد المحمود الشفيع، والقانوني الضليع النتيفة أحمد كرمنو، والشيخ أمين الطيب والأستاذ محمد جميل، والأستاذ مهدي نمر، وعبد الغفار، والرياضي المطبوع صلاح الريح صاحب العطاء والمساعدات الأول بلا منّ ولا أذى، وهم من أكثر الفرعيات انتظاماً، حتى كانت الجبيل ولا تزال رائدة في المجال الاجتماعي.
ومن الجاليات الفرعية الأخرى التي تمثلت في المجلس العام، جالية رأس تنورة المعطاءة التي رفدت للمجلس شيخ العرب الأستاذ البلولة قريب الله رحمه الله، رئيساً للمجلس العام في دورته الأخيرة، والأستاذ موسى إدريس الكاهلي، بما أقامه من علاقات طيبة مع الوافدين منذ توليه هذا الملف هناك.
أما في المدن التي لم تكن بها تكوينات سابقة، فيبرز العطاء الكبير في تأسيس جالية النعيرية، التي تشرّفتُ بالتنسيق فيها مع قامات وخلاصة من الرجال، أمثال: الأستاذ محمود أحمد الطاهر دهب، والدكتور مأمون جعفر، والدكتور حمدان محمد آدم، والأستاذ تيسير حسن، والأستاذ آدم نورين، والدكتور حسن إسماعيل، والأستاذ عصمت صلاح الدين، والدكتور علي البلولة.
لقد استطاعوا – بفضل الله ثم بتنظيمهم المتميز- تأسيس الجالية من الصفر واستقطاب السودانيين في تلك المناطق والقرى النائية، وتجميع شملهم في جسم واحد، وتنسيق أول زيارة للبعثة القنصلية لخدمتهم، بل وتوفير لجنة الأراضي لهم، لتصبح جالية النعيرية ذات مكانة رفيعة رغم حداثتها آنذاك، وكانت تربطهم علاقة قوية بالمحافظ حينها وهو ما ساعدهم بتلك الإنجازات المشهودة.
أما الأحساء والتي كانت رائدة في المجال الثقافي وما تزال، فلا بد من ذكر حلال المشاكل المهندس محمد جعفر والشاعر المبدع عباس حافظ، والاديب أكيل محمد البدوي، والأستاذ يحيى محمد علي، والدكتور مضوي يوسف، والأستاذ عبد الوهاب محمد علي والأستاذ محمد ادريس وغيرهم.
*تنوع الكوادر في المجلس:*
وفد ضم المجلس في طياته فئات متنوعة تعكس ثراء المجتمع السوداني فتجد المداولات كأنك في الجمعية التأسيسية، فالبلاغة المنضبطة بالقانون تجدها عند أمثال الأستاذ طارق الأمين، والخطب الرنانة عند الشيخ أبوكساوي، والمناكفة التي لا تبلغ مرحلة العداوة عند أمثال الأستاذ قرشي الوكيل.
كما تباينت تيارات المجلس بين مناصر للمشاريع القومية كالبروفيسور ابن الوليد علي حسين وبين مُركَز بقوة على الأولويات والهموم المحلية كالأستاذ النشط عبود محمد الأزرق، هذا إلى جانب مليء المجلس بمن يتسمون بالرزانة والآراء الهادئة أمثال الأستاذ كمال المرضي والمهندس أحمد مضوي، والدكتور خليل عبد الرحمن، والأستاذ عثمان الأسيد، والمهندس الهادي همت، والأستاذ محمد علي نصر وغيرهم.
ولقد كان المجلس حارساً حقيقياً لأعمال اللجنة ونقدها، وبرز من أعضائه في هذا الجانب الأستاذ بدرين أحمد موسى، ورغم تبنيه لهذا الخط الناقد لم أره يوماً واحداً في عداء مع أعضاء اللجنة. ومهما بلغت درجات عدم الرضا عند بعض أعضاء المجلس أمثال الأستاذ أحمد الأحمر وآخرين، كانت حكمة رئاسة المجلس وامانته العامة حاضرة في امتصاصها.
ومن الطرائف أن عمنا سيد أحمد سلامة كان عندما يشاهد المهندس عبد الرحيم عثمان يقول: “اليوم يوجد تصويت!” فأسأله لماذا؟: فيرد: “الزول أبو طاقية ده لمن يجي أعرف أنو في حاجة عايزين يمرروها بالتصويت” وكلام سلامه هذا يقودنا الى ان هناك أعضاء كان لهم تأثير داخل المجلس أمثال الأستاذ محمد عثمان بخيت والأستاذ علي ادريس غيرهم.
ويكفي المجلس فخراً أنه خرّج المهندس أحمد عبد الله دفع الله، الذي شيد الهيكل الخرساني لسد مروي ورئيس وحدة الصبيّات الخرسانية بالسد، والمهندس المقيم لاحقاً بالمشروع — وسنخصص له لاحقاً مساحة مستقلة لنحكي قصته، لا سيما بعد أن تشرفت بزيارته خلال نزوحه الأخير إلى مدينة الدمام.
وقد استطاع المجلس تجاوز تدني مستوى أداء العمل العام عبر إجازة اللوائح التنظيمية والمالية وهنا يبرز القانونيون منهم الاستاذ محمد خالد الفويل والاستاذ عبد الحليم حران.
كما أولى المجلس في دورته الأخيرة مساحة مقدرة للطلاب، ولعل الدور الذي قام به الأستاذ وليد أحمد إبراهيم بدين وآخرين (نفصل في محور التعليم لاحقا) في تأسيس المدرسة السودانية الوحيدة التي عملت وفقاً لنظام نور السعودي يظل معلماً بارزاً.
وكان جميلا ان يتبادل الرياضيون مقاعدهم فكان الأستاذ صلاح البريد بتاريخه الطويل في ميادين الرياضة والأستاذ عبد العزيز ابو عضل والأجمل هو وجود نشطاء تنفيذيّين ضمن أعضاء المجلس لا تكاد تميزهم عن اللجنة التنفيذية للجالية، أمثال الأستاذ مصطفى جبارة والمرحوم بشار محمد علي. فضلاً عن انضمام قامات علمية رفيعة كالبروفيسور سيد أحمد محمد سعيد، والدكتور محمد مكاوي، والبروفيسور صالح دفوعة، والدكتور محمد أحمد طه، والدكتور القدال ونخبة من العلماء، وصولاً إلى البروفيسور جمال نور الدين الذي انضم للمجلس في أيامه الأخيرة.
ولم يخلُ المجلس من تمثيل شعبي أصيل، ممثلاً في الأخ السماني قسم الله ممثل السواقين – ومن طرائقه أنه كان يقول إنه منتظر الجماعة ديل يكملوا كلامهم الكثير ويورونا دايرين يعملوا شنو! – وكان رجلاً يعرف الدمام شارعاً شارعاً بحكم عمله في مصلحة المياه لعشرات السنوات، حتى إنه كان يحفظها بعدادات المياه! وكذلك كان هناك مندوب لسوق الغنم وغيرهم من المناديب، ليكون المجلس حقاً مدرسة قائمة بذاتها.
ومن الشخصيات النشطة التي كان يعيد المجلس العام انتخابها مرة تلو الأخرى: الأستاذ حسن محمد علي ود التومة والمرحوم سعيد سيد، والاستاذ عبود الأزرق، والمهندس أحمد الشريف، والاستاذ أحمد محمد الزين، وغيرهم من الأوفياء.
والمجلس مرت عليه عدد من الأمانات العامة، ولكن أُعتقد أن أكثرها فاعلية كانت فترة الأستاذ عادل ماشي، والإعلامي محمد عبد الله نهرو، والأستاذ الفنان علي محمد علي الشاطيء.
ولم يكن المجلس بمعزل عن محيطه الإعلامي والثقافي، فقد كان يُدعى أحياناً نخبة من الإعلاميين لحضور ونقل أعماله، أمثال الأستاذ عبد الله علقم رحمه الله، والأستاذ الشريف أبو زيد، والأستاذ عبد الرحيم وقيع الله، والأستاذ بدري محمد البدري الذي كان نشطا في منبر سودانيز اون لاين والأستاذ يعقوب حاج آدم، وكانت مناشط المجليس تتصدر الصحف السعودية وصحيفة الخرطوم والأستاذ صلاح يوسف الذي أصدر أول مجلة للجالية ونظم أول معرض إعلامي للجالية في فندق الظهران وإن كان هناك فضلٌ في التوثيق، فالفضل بعد الله إلى الإخوة: الأستاذ أسامة الناير، والأستاذ صلاح قلوز الذي يمتلك مكتبة من التسجيلات الصوتية والمرئية، والأستاذ أزهري.
وعلى مدار الفترة من 2000 إلى 2017م، كان ينعقد هذا المجلس العام ثلاث مرات في السنة، ويبدل اللجنة التنفيذية كل ثلاث سنوات بالانتخاب وبحضور ممثل عن السفارة يقوم بإدارة أعمال المجلس. وبدأت نشاطاته بقاعة فندق الظهران الدولي ثم انتقل إلى فندق الدمام القديم وأصبح هو المقر الراتب للمجلس. وقد حضرت ما لا يقل عن 35 اجتماعاً للمجلس سواء أكنت منتدباً للخدمات فقط أو بعد تصعيدي عضواً فيه، وأستغرب عندما أسمع البعض يرددون عبارة الأستاذ علقم رحمه الله: “الجالية المحمولة برّاً” في إشارة لاجتماع جرى مرة واحدة بمباني السفارة. وأذكر انني سألت الأستاذ علقم ذات مرة في زيارتي له في منزله لماذا هذا الوصم غير العادل؟ فرد عليّ ضاحكاً: “نحن أذكى منكم!
لعل توثيق مسيرة الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية أمانة تاريخية تستوجب الإنصاف. وان وردت أسماء رموز ورواد، أقدم اعتذاري الصادق لمن لم يسعفنا المقام لذكرهم، فليس الغياب تقليلاً من شأن أحد ولا تعمداً ولا نكران لنشاط آخرين، بل لضرورة العمل التوثيقي الذي يفسده الإطالة. ومستمر ان شاء الله في الكتابة والتوثيق وفي الحلقة القادمة نتناول جهد الجالية في مجال التعليم وبعض النشاطات الثقافية.











