توثيقاً لجهود الرواد وصوناً لذاكرة الجالية السودانية في المنطقة الشرقية (الجزء الثاني) بقلم: أ. هشام عثمان مكي

في مقالنا الأول، ذكرنا وأوضحنا الغاية من هذا التوثيق، وتحدثنا عن نشأة الجالية واستعرضنا الفترات الزمنية لرؤسائها، سواء الذين جاءوا عبر الانتخاب من المجلس العام -وهو الأصل- أو التعيين عبر جهاز المغتربين والسفارة، ولذلك لم يرد اسم الشيخ/ محمد أحمد الحساني في قائمة الرؤساء لكون تكليفه جاء بشكل مؤقت خلال فترة فراغ دستوري، إذ تم تكليفه من قِبل اللجنة للمتابعة في فبراير من العام 2016م.
وفي هذا المقام، وجب علينا استدراكاً وتوثيقاً للأمانة الإشادة بالدور المحوري الذي لعبته “رابطة القانونيين” بالجالية، حيث عكف نخبة من أعضائها على إعداد وصياغة “النظام الأساسي” بعناية فائقة، سواء النظام الأول أو المعدل في العام 2015م، وهو العمل الذي تكلل بإجازته عبر المجلس العام في جو من التوافق والمسؤولية، ليشكل الركيزة الأولى لانطلاق العمل المؤسسي. ونخص بالذكر في هذا الإطار كوكبة من القانونيين الذين بذلوا جهداً مقدراً في هذا العمل التأسيسي، ومنهم أستاذ القانون د. إدريس محمد السلاوي، والأستاذ عبد الله ابنعوف، والأستاذ طارق المبارك، والأستاذ النتيفة أحمد كرمنو، والأستاذ طارق الأمين، والأستاذ عبد الحليم حران والأستاذ محمد خالد الفويل، مع اعتذارنا لكل من لم تسعفنا الذاكرة بذكر أسمائهم من الأخوة القانونيين، حيث قدموا جميعاً خدمات قانونية للقضايا التي تحيلها لهم اللجنة واستشارات قانونية فيها.
وفي هذا المقال، نتناول أبرز المنجزات المتمثلة في بناء الركائز الثلاث التي تكفل للقائمين على أمر الجالية حرية الحركة ومرونتها، بغية تقديم أفضل الخدمات للمواطنين السودانيين، وتتمثل هذه الركائز في تعزيز العلاقة مع السلطات المحلية السعودية (إمارة المنطقة الشرقية)، وتوطيد الصلة مع جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج (باعتباره الجهة المختصة بتكوين الجاليات)، بالإضافة إلى تفعيل الشراكة مع السفارة السودانية بالرياض (باعتبارها الجهة الراعية والداعمة للجالية).
*أولاً: بناء علاقة قوية مع إمارة المنطقة الشرقية:*
اهتم القائمون بأمر الجالية بالتواصل مع إمارة المنطقة الشرقية، خاصة بعد الانتقال إلى العمل المؤسسي، ففي العام 2002م كان أول لقاء للجنة التنفيذية للجالية -دون وساطة من السفارة- مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز أمير المنطقة الشرقية (رحمه الله). وكان نتاج هذا اللقاء أن منح سموه الكريم الجالية داراً، وتكفل بسداد قيمة الإيجار لمدة عام كامل، وانتدب محافظ الخبر حينها الأستاذ/ عبد الرحمن بن سليمان الثنيان ليفتتح دار الجالية نيابة عنه في تاريخ 8/3/1424هـ الموافق 6/5/2003م. وإلى حين تم الافتتاح، استقبل سمو الأمير رئيس الجالية أكثر من مرة، وعقدت عدة اجتماعات مع وكيل الإمارة إلى أن تم الافتتاح بنجاح.
كما التقى نائبه صاحب السمو الأمير جلوي بن عبد العزيز بن مساعد وفد اللجنة التنفيذية للجالية في 2/3/2004م، لمناقشة قضية المدرسة السودانية، وسعيها لإيجاد مدارس سودانية على المسار السوداني، ولكن قيود جامعة الدول العربية في ذلك الوقت كانت هي المانع. ثم توالت زيارات وفود الجالية في صحبة سفراء جمهورية السودان الذين يزورون الشرقية، حيث كان كل سفير يصطحب معه وفد الجالية للتعريف بها وبأعضاء اللجنة التنفيذية. وفي هذا السياق، كانت الإمارة تمنح الموافقات بكل سهولة ويسر، وتحيلها مباشرة إلى جهات الاختصاص كلما كان هناك زائر للجالية قادم من السودان، سواء كان وفداً خدمياً أو غيره.
وشهدت تلك الفترة زيارات مقدرة لعدد من السفراء، من أبرزهم: السفير عثمان الدرديري، والسفير محمد أمين الكارب، والسفير عبد الحافظ إبراهيم (الذي تكررت زياراته)، وغيرهم من السفراء الأجلاء. فكانت نتيجة هذه اللقاءات المشتركة -منها ما تم مع صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبد العزيز أمير المنطقة الشرقية، ولعل الله قد أكرمني بأن كنت ضمن وفدين التقيا بسموه- فكان الأمير يتحدث دائماً عن الجالية السودانية بثناء بالغ، ويشير إلى انخفاض معدل الجرائم بين أبنائها. كما اعتادت الجالية زيارة الإمارة في المناسبات، للتهنئة والمباركة لسمو الأمير في الأعياد، وعيد اليوم الوطني السعودي، وغيرها من المناسبات الوطنية.
*ثانياً: بناء علاقة قوية مع جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج:*
قامت العلاقة مع جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج على أساس التواصل المؤسسي المستمر، وعقد اجتماعات مطولة تناولت مجمل قضايا الجالية. وفي إطار الزيارات الميدانية، زار المنطقة الشرقية عدد من الأمناء العامين للجهاز، في مقدمتهم المهندس تاج الدين المهدي (الأمين العام لجهاز المغتربين) الذي زار الجالية أربع مرات، ونظمت له اللجنة التنفيذية عدة لقاءات عامة مع السودانيين تلتها زيارة الدكتور كرار التهامي، إضافة إلى زيارة السفير حاج ماجد سوار الذي عقد لقاءً عاماً مع أبناء الجالية بالإضافة لعدد من الاجتماعات الخاصة.
وعلى صعيد الفعاليات والتمثيل، وجه الجهاز الدعوة للجالية بانتظام للمشاركة في المؤتمرات الكبرى بالخرطوم، حيث قدم رئيس الجالية ورقة عمل في المؤتمر العام السادس، كما شاركت الجالية بفعالية في مؤتمر الجاليات الذي عُقد بالخرطوم في الفترة من 20 إلى 22 فبراير 2017م. وتجدر الإشارة إلى أن الجالية كيان منظم ومسجل رسمياً لدى إدارة الجاليات بالجهاز. وكانت الإجازة الصيفية تُمثل موسماً أساسياً لقيادة الجالية للنشاط، والتواصل، ومقابلة المسؤولين بالدولة بتسهيل من الجهاز. وشهدت المنطقة الشرقية كذلك زيارة وفد وزاري رفيع المستوى برئاسة الوزير كمال عبد اللطيف، الوزير المعني بالمغتربين حيث عقد لقاءً موسعاً مع الجالية بفندق الظهران على هامش “مؤتمر الكفاءات والخبرات” في العام 2003م. ومن النتائج العملية لهذه العلاقة، تخصيص مكتب للجالية بمباني جهاز المغتربين طوال فترات الصيف بانتظام من العام 2003م وحتى العام 2008م، لخدمة السودانيين العائدين للإجازات.
*ثالثاً: بناء علاقة قوية مع سفارة جمهورية السودان بالرياض:*
بنت الجالية علاقة عمل وثيقة مع سفارة جمهورية السودان بالرياض، توجت بمنح رئيس الجالية تفويضاً رسمياً لتمثيل السفارة في المنطقة الشرقية. وتجسدت هذه العلاقة في اجتماعات دورية ومنتظمة بين لجان الجالية والسفارة، سواء في مقر السفارة بالرياض أو في المنطقة الشرقية.
وعلى مستوى التمثيل الميداني والعمل الإنساني، مُنح الأمين الاجتماعي للجالية الأستاذ مصطفى النذير تفويضاً ليكون مندوباً عن السفارة في شؤون الوافدين والسجون لأول مرة في عام 2005م، ويعد هذا الإنجاز هو المبادرة الأقوى (والتي سنعود لتفاصيلها عند الحديث عن مكتب الوافدين وإنجازاته اللاحقة في مقالاتنا القادمة)، كما اعتمدت السفارة مندوباً خاصاً للجالية في الصندوق الخيري وصندوق الزكاة التابعين لها خلال الفترة من 2000 إلى العام 2011 تقريباً، وسوف نعود لهذا أيضاً بالتفصيل لاحقاً.
وفيما يخص البعثات القنصلية، نظمت الجالية بعثات مكثفة لخدمة المغتربين؛ حيث حضرت البعثة 3 مرات سنوياً في الفترة ما بين 2000م و2003م، ثم انخفضت إلى مرتين سنوياً بين عامي 2003م و2010م، لتتقلص إلى مرة واحدة في الأعوام التي تلتها حتى عام 2014م، قبل أن يقل حضورها تدريجياً. وبصورة عامة، نُفذت أكثر من 30 بعثة قنصلية في الفترة من عام 2000م حتى عام 2017م.
وفي فترات مختلفة، برزت عدة أسماء من اللجنة التنفيذية للجالية كان لها دور بارز في تمتين وتوطيد علاقة السفارة مع الجالية، وفي مقدمتهم الدكتور فتحي ياسين، والشيخ حسب الرسول أبوكساوي الذي كانت تربطه علاقة قوية مع السفير عبد الحافظ، إلى جانب الرياضي المطبوع عادل علي مصطفى، والأستاذ مبارك خضر، والأستاذ محمد أبو الفقراء الذي برز أخيراً في مجال الخدمات القنصلية، وغيرهم من الأخوة الذين أسهموا بجهودهم المقدرة من داخل اللجنة وخارجها، وذلك بالإضافة إلى الدور المحوري والأساسي الذي قاده رؤساء الجالية خاصة الأستاذ محمد احمد مكي والمهندس عثمان عبد الله في هذا الإطار.
نواصل في الحلقة القادمة إن شاء الله…







