الإعلامي المصري أحمد عباده يكتب من السودان : الولاية الشمالية… بوابة الاستثمار المصري السوداني ونقطة الانطلاق نحو نهضة اقتصادية شاملة

لم تكن زيارتي إلى الولاية الشمالية مجرد رحلة ميدانية، بل كانت فرصة لاكتشاف ولاية تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون قاطرة الاقتصاد السوداني خلال السنوات المقبلة. فالولاية الشمالية ليست فقط بوابة السودان إلى مصر، وإنما تمثل بوابة مصر الجنوبية إلى إفريقيا، وتتمتع بموقع استراتيجي فريد، إلى جانب موارد طبيعية وزراعية وتعدينية ضخمة ما زالت في انتظار استثمارات قادرة على تحويلها إلى مشروعات إنتاجية عملاقة تحقق المنفعة المشتركة للشعبين المصري والسوداني.
وخلال جولتي بالولاية ولقاءاتي مع المسؤولين وأصحاب المشروعات الزراعية، تأكدت أن الشمالية تمتلك كل عناصر النجاح. فهي تضم ما يقارب 14 مليون فدان صالحة للزراعة، بينما لا يتجاوز المستغل منها حتى الآن مليون فدان فقط، في الوقت الذي تتميز فيه الأرض بخصوبتها العالية، وتوافر المياه، ووجود حوض النوبة، وهي مقومات تجعل من الولاية واحدة من أفضل المناطق الزراعية في السودان، بل وفي المنطقة بأسرها.
وفي حديثي مع وزير الزراعة بالولاية الشمالية الأستاذ عثمان أحمد عثمان، أكد أن حكومة الولاية ترحب بكل قوة بالاستثمارات المصرية، وتعمل على إزالة جميع المعوقات أمام المستثمرين، انطلاقًا من إيمانها بأن التكامل الزراعي بين مصر والسودان يمثل ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية. وأشار إلى أن الولاية تحتضن عددًا من المشروعات الزراعية الكبرى التي أثبتت نجاحها، وفي مقدمتها مشروع الأزهري بالدبة على مساحة 50 ألف فدان، ومشروع عثمان محمد سعيد على مساحة 2000 فدان، بالإضافة إلى مشروع الراجحي، ومشروع أمطار الزراعي، ومشروع التيتي، وهي مشروعات تعكس حجم الفرص الاستثمارية المتاحة وقدرة الولاية على استيعاب المزيد من رؤوس الأموال والخبرات.
كما لمست خلال لقائي مع سعادة والي الولاية الشمالية الفريق ركن عبد الرحمن عبد الرحيم وجود رؤية واضحة لتحويل الولاية إلى واحدة من أهم الوجهات الاستثمارية في السودان، من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وتهيئة المناخ أمام المستثمرين، بما يواكب الإمكانات الاقتصادية الهائلة التي تتمتع بها الشمالية، ويجعلها مركزًا للإنتاج الزراعي والصناعات التحويلية التي تسهم في زيادة الدخل القومي وخلق فرص العمل وتحريك عجلة التنمية.
ومن أكثر اللقاءات التي تركت لدي انطباعًا إيجابيًا، حديث الحاج الأزهري مبارك، صاحب أحد أكبر المشروعات الزراعية بالولاية الشمالية، والذي أكد ترحيبه الكامل بالعمالة المصرية والمهندسين الزراعيين المصريين، مشيرًا إلى أن الخبرات المصرية تمثل قيمة مضافة للمشروعات الزراعية، وأن المرحلة المقبلة تستوجب توسيع الشراكة مع الجانب المصري بما يحقق المصالح المشتركة ويعزز الإنتاج الزراعي ويخدم الأمن الغذائي في البلدين.
ولعل من أهم عوامل نجاح التعاون المصري السوداني في الولاية الشمالية، الروابط التاريخية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين، إذ تضم الولاية عددًا كبيرًا من العائلات ذات الأصول المصرية، وهو ما يجعل المستثمر المصري يعمل في بيئة يشعر فيها بالقرب الثقافي والاجتماعي، ويمنح العلاقات الاقتصادية بعدًا إنسانيًا يزيد من فرص نجاحها واستمرارها.
إن الزراعة اليوم ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي الأمل الحقيقي لزيادة الدخل القومي السوداني، وتعزيز الصادرات، وإقامة الصناعات التحويلية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين. وإذا ما اقترنت هذه الموارد الطبيعية بالإرادة السياسية الصادقة، والاستثمارات الجادة، والخبرات المصرية، فإن الولاية الشمالية مرشحة لأن تصبح واحدة من أكبر مراكز الإنتاج الزراعي والاستثماري في القارة الإفريقية.
لقد خرجت من هذه الزيارة بقناعة راسخة بأن مستقبل التكامل الاقتصادي بين مصر والسودان يبدأ من الولاية الشمالية، فهي أرض الفرص الواعدة، وموطن الخير الوفير، وبوابة الاستثمار التي تستحق أن تتجه إليها الأنظار ورؤوس الأموال. وما تحتاجه اليوم ليس سوى شراكات حقيقية تؤمن بإمكاناتها، لتتحول إلى بقعة اقتصادية مضيئة تسهم في نهضة السودان، وتعزز مسيرة التعاون بين البلدين الشقيقين، ليبقى وادي النيل نموذجًا للتكامل والتنمية وصناعة المستقبل.











