
رصد: أمل أبو القاسم
هناك، في شارع قصر النيل بمنطقة عابدين
وفي
وفي ساحة شركة العزيزية للنقل البري بالقاهرة، كانت ملامح الفرح تختلط بالحنين، بينما تستأنف رحلات العودة الطوعية للسودانيين طريقها نحو الوطن. بصات تغادر وأخرى تستعد للانطلاق، وأسر تتبادل العناق الأخير قبل رحلة طال انتظارها.
شهدت القاهرة تدشين أولى رحلات العودة الطوعية ضمن الشراكة الجديدة بين ديوان الزكاة ولجنة الأمل للعودة الطوعية، وهي شراكة تستهدف في مرحلتها الأولى إعادة عشرة آلاف سوداني من الراغبين في العودة إلى بلادهم، مع توقعات بزيادة الأعداد خلال المراحل المقبلة وفقا للزكاة .
ومن منطقتي عابدين وفيصل – المطبعة، انطلقت نحو عشرين حافلة تقل مئات العائدين، في مشهد إنساني مؤثر عكس حجم الشوق إلى الديار والرغبة في طي صفحة النزوح واللجوء.
ورغم مرارة الوداع ومفارقة بعض أفراد الأسر الذين سيبقون مؤقتاً في مصر على أمل اللحاق بذويهم لاحقاً، فإن مشاعر الفرح كانت طاغية على وجوه المغادرين. كثيرون منهم عبروا عن امتنانهم لأن الظروف تهيأت أخيراً للعودة إلى مدنهم وقراهم التي ظلت حاضرة في الوجدان طوال سنوات الغربة.
وقال عدد من العائدين إنهم يتحملون مسؤولية إعادة بناء ما دمرته الحرب، مؤكدين أن العودة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل بداية لمرحلة جديدة من العمل والإعمار.
إحدى السيدات، التي كانت تحيط بها مجموعة من أطفالها، قالت إنهم يعودون لأن الوطن يحتاج إلى أبنائه، مضيفة أن إعادة الإعمار تبدأ من البيوت والأسر قبل أن تمتد إلى المدن والقرى، مؤكدة أن السودان لن ينهض إلا بسواعد أبنائه.
وكان بين المسافرين عدد مقدر من أبناء أبيي، شكلوا ركاب حافلتين ضمن الفوج المنطلق من منطقة عابدين. وخلال حديثهم لـ”عزة برس” بدت رغبتهم في العودة واضحة، رغم أنهم قدموا من مناطق مختلفة داخل السودان قبل اندلاع الحرب.
إحدى السيدات أوضحت أنها ستتوجه إلى ولاية الجزيرة بعد وصولها عبر وادي حلفا، فيما قالت أخرى إنها ستعود إلى مدينة شندي. وخلال الأحاديث الجانبية، روت بعض الأسر معاناتها خلال فترة الإقامة في مصر، خاصة في الأحياء المكتظة التي شهدت حملات تفتيش متكررة، الأمر الذي جعل العودة إلى الوطن خياراً مفضلاً رغم التحديات.
وفي ساحة العزيزية، كان هناك مشهد آخر لا يقل تأثيراً. فقد توافد عدد من السودانيين من الأخوة الأقباط استعداداً للسفر عبر الحافلات التجارية. ورغم أنهم لا يشاركون ضمن برنامج العودة الطوعية، فإن وجهتهم النهائية كانت السودان أيضاً.
التقت “عزة برس” بالسيد ونيس جابر، الذي كان برفقة عدد من الشباب وأفراد أسرته. وقال إنه يقيم في أم درمان بحي العمدة، وإن منزله ومصنعه للألمنيوم تعرضا لأضرار خلال الحرب.
وأضاف أنه زار السودان في أغسطس من العام الماضي لتفقد أوضاعه، إلا أن ظروفاً صحية أجبرته على العودة إلى مصر بعد إصابته بحمى الضنك، دون أن يتمكن من إنجاز ما كان يخطط له.
وأوضح أنه يعود هذه المرة برفقة عدد من أبنائه الشباب لترتيب الأوضاع على الأرض، بينما ستلحق بهم بقية الأسرة بعد استقرار الظروف وتهيئة السكن ومتطلبات الحياة.
ومع اقتراب موعد التحرك والمشرفين من ديوان الزكاة ولجنة الأمل يطوفون بين البصات. بدأت الحافلات تغادر تباعاً. ارتفعت الأيدي مودعة، واختلطت الدعوات بالدموع والابتسامات، فيما ظل الأمل هو القاسم المشترك بين الجميع.
كانت رحلة العودة بالنسبة لهؤلاء أكثر من مجرد سفر؛ كانت استعادة لجزء من الذات، وعودة إلى الجذور، ورسالة بأن السودان، رغم الجراح، ما زال قادراً على استعادة أبنائه.
ومع اختفاء آخر الحافلات في الأفق، بقي الدعاء يرافق المسافرين: أن يصلوا سالمين، وأن يجتمع شمل النازحين واللاجئين جميعاً في وطن آمن ومستقر، وطن يتسع للجميع ويكون أكثر قوة ومنعة وقدرة على النهوض من آثار الحرب.











