
تقرير _ محمد جمال قندول
أعادت الكتلة الديمقراطية تجربتها إلى التشريح والبحث، وذلك في أعقاب تباين مواقف منتسبيها حيال المشاركة في اجتماعات الآلية الخماسية التي انعقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
وتواجدت خمس مكونات من الكتلة في إثيوبيا بقيادة مبارك أردول وسالي زكي، فيما أعلنت (14) من مكونات التحالف رفضها المشاركة.
بيانات
وانطلقت أمس الأربعاء اجتماعات اللجنة الخماسية لبحث الأزمة السودانية، والتي دعت لها القوى الوطنية الداعمة للجيش، وكذلك تحالف “صمود” الذي رفع شعار “لا للحرب”، وتحالف “تأسيس”، لإيجاد أرضية مشتركة بين التحالفات الثلاثة.
واللجنة الخماسية التي تنظم الاجتماعات تضم الاتحاد الإفريقي، وإيقاد، والجامعة العربية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
وأبرز المحفل صورة سالبة للكتلة، عكست التباين الداخلي لعضويتها، حيث انقسم التحالف إلى مجموعتين؛ واحدة مشاركة، والثانية ترفض. وتعاني الكتلة الديمقراطية، التي تضم تحالفات أحزاب وحركات كفاح مسلح وشخصيات، من تذبذب في أدائها خلال آخر عامين، إذ لم تعد بذات الفاعلية التي بدأت بها.
ويوم الثلاثاء 2 يونيو صدر بيان من 14 مكون في تحالف الكتلة الديمقراطية الرافض لشكل وأسس الحوار المزمع في أديس أبابا، حيث أكد البيان أن الكتلة الديمقراطية تثمن دعوة الآلية الخماسية للمشاركة في اجتماعات أديس أبابا، وتدعم كل جهد يسهم في إنهاء الحرب وتحقيق سلام عادل ومستدام، لكنها اعتذرت عن المشاركة بصيغتها الحالية لأسباب تتعلّق بمنهج إدارة العملية السياسية وإجراءاتها.
وشدّد البيان على ضرورة الفصل بين المسار السياسي والمسار الأمني، بحيث تختص القوى المدنية والسياسية بالمسار السياسي، بينما تُناقش الترتيبات الأمنية بين مؤسسات الدولة والقوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع. واعتبر أن دعوة ما يسمى بتحالف أو حكومة “تأسيس” إلى اجتماعات المسار السياسي تمثل خلطاً بين المسارين وتعكس تبنياً عملياً لرؤية سياسية مرتبطة بالدعم السريع وحلفائه، بما يتعارض مع المواقف الرافضة للكيانات الموازية ويقدح في حيادية الآلية الخماسية، مؤكداً رفض مساواة الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية بمليشيا متمردة.
كما أكد البيان أن الحفاظ على وحدة السودان وسيادته واستقرار مؤسساته الوطنية يجب أن يكون أساس أي عملية سياسية، رافضاً الالتقاء بكيانات موازية تطرح رؤى تهدد وحدة البلاد أو تعمل خارج مؤسسات الدولة الشرعية. وجدد تمسك الكتلة برؤية تقوم على حوار سوداني ـ سوداني شامل تقوده لجنة وطنية مستقلة بعد تهيئة البيئة بتحقيق السلام، داعياً الآلية الخماسية والشركاء الإقليميين والدوليين إلى مراجعة منهج إدارة العملية السياسية وتجنب أخطاء التجارب السابقة، ومؤكداً أن أي تسوية مستدامة لن تتحقق إلا عبر عملية سياسية متوازنة تحترم إرادة السودانيين وتحفظ الدولة ومؤسساتها الوطنية.
هياكل الكتلة
بالمقابل، أكد بيان مضاد باسم رئيس القطاع الإعلامي، صدر أمس الأربعاء 3 يونيو، أن ما يسمى بـ”مكتب رئيس الكتلة الديمقراطية” ليس جسماً تنظيمياً معترفاً به داخل هياكل الكتلة، وأن البيانات الصادرة باسمه لا تستند إلى سند مؤسسي ولا تعبر عن مواقف الكتلة. كما أوضح أن الكتلة لم تتخذ قراراً بمقاطعة اجتماعات أديس أبابا، وأن المشاركة جاءت وفق قرارات وتفاهمات مؤسسية أفضت إلى اختيار وفد رسمي مفوض لتمثيلها وعرض رؤيتها السياسية.
وشدّد البيان على أن الوفد المشارك يحمل تفويضاً سياسياً واضحاً، وأن التشكيك في شرعيته يمثل مصادرة للقرار المؤسسي والتفافاً على الإرادة الجماعية لمكونات الكتلة. كما أكد تمسك الوفد بالثوابت الوطنية وسيادة الدولة ووحدة البلاد، معتبراً أن الوطنية تُقاس بالمواقف العملية الساعية إلى وقف الحرب وصون وحدة البلاد وحماية مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار والسلام.
وأوضح البيان أن رؤية الكتلة تقوم على الانفتاح على المبادرات التي تحترم سيادة السودان وإرادة شعبه، وأن الحوار السياسي المسؤول يظل أداة مشروعة لمعالجة الأزمات الوطنية. ورفض محاولات احتكار القرار السياسي أو التحدث باسم الكتلة خارج مؤسساتها الشرعية، مجدداً التأكيد على شرعية وفد أديس أبابا وداعياً إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا ووحدة الصف وتجنب المزيد من الانقسام والتنازع.
مواقف
وكان الكاتب الصحفي ورئيس تحرير صحيفة الأحداث عادل الباز قد انتقد الكتلة الديمقراطية في مقال أمس، وقال الباز إنها “ليست كتلة ولا ديمقراطية”، بل تضم مكونات تتبنى مواقف متباينة ومتناقضة حول القضايا السياسية الأساسية، مشيراً إلى أن إصدار بيانات متعارضة في اليوم نفسه بشأن المشاركة في الاجتماعات يمثل دليلاً على فشلها في إدارة خلافاتها الداخلية وتقديم موقف موحد.
وأضاف أن استمرار الكتلة بهذه الصورة يكرس حالة الإحباط لدى المواطنين تجاه القوى السياسية، ويضعف قدرتها على ادعاء تمثيل الشارع السوداني أو الإسهام في أي حوار وطني جاد لبناء الدولة. واعتبر الباز أن التناقضات العلنية بين مكوناتها بشأن المشاركة في اجتماعات أديس أبابا تعكس غياب التنسيق والانضباط المؤسسي داخلها.
وجاء تشكيل الكتلة الديمقراطية في نوفمبر من العام 2022، بعد خلافات مع قوى إعلان الحرية والتغيير.
ويرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي أن ما جرى في أديس أبابا لا يشير إلى انهيار تحالف الكتلة الديمقراطية بقدر ما يكشف عن تباين في تقدير المرحلة السياسية. فبينما اختار تيار داخل الكتلة المقاطعة بسبب مشاركة تحالف “تأسيس”، فضّل تيار آخر الحضور والتأثير من داخل العملية السياسية.
ويشير محدّثي إلى أن هذا الانقسام أضعف صورة الكتلة كجبهة موحدة، لكنه لم يلغ وجودها التنظيمي أو السياسي، خاصة مع تأكيد قياداتها أن المؤسسات ما زالت قائمة وأن الخلاف قابل للاحتواء.
وتابع شقلاوي بأن الكتلة أمام اختبار التحول من التحالف الظرفي إلى المشروع السياسي لو استطاعت ذلك. فمن المعلوم أن الكتلة الديمقراطية نشأت أساساً كتحالف لمواجهة ترتيبات سياسية محددة خلال المرحلة الانتقالية، لكن الحرب فرضت واقعاً جديداً تطلب رؤية وطنية أشمل.
لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس المشاركة أو المقاطعة، وإنما قدرة الكتلة على إعادة تعريف مشروعها السياسي وتقديم تصور واضح للدولة والسلام ومستقبل الحكم. فالأحزاب والتحالفات لا تنتهي بالخلافات، بل تنتهي عندما تفقد مبرر وجودها السياسي.
وأضاف د. إبراهيم أن تسارع الأحداث يهدد الجميع، وليس الكتلة وحدها. فالخطر الأكبر لا يكمن في انقسام الكتلة الديمقراطية، بل في بطء العملية السياسية مقارنة بتسارع الوقائع على الأرض. فمع الحديث عن ترتيبات اقتصادية وإدارية منفصلة في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع، تتزايد مخاطر التشظي الجغرافي والسياسي.
لذلك فإن جميع القوى السياسية السودانية، بما فيها الكتلة الديمقراطية و”صمود” و”تأسيس”، تواجه اختباراً تاريخياً: إما إنتاج تسوية سياسية عاجلة تراعي مصلحة الوطن، وتتجاوز كافة الخلافات السياسية، وتجمع السودانيين بمختلف أطيافهم، أو مواجهة واقع جديد قد يجعل الخلافات الحالية أقل أهمية أمام تحدي الحفاظ على وحدة السودان كدولة.
وعطفاً على ما ذكره أعلاه، يقول شقلاوي إن مشروع الكتلة الديمقراطية لم ينتهِ بعد، لكنه دخل مرحلة المراجعة. ونجاحه أو فشله سيتوقف على قدرته على تجاوز الانقسام الداخلي والتحول من تحالف مواقف إلى مشروع سياسي قادر على التعامل مع تعقيدات السودان بعد الحرب.











