موقف البرهان من العائدين من قوات الدعم السريع بين الاعتبارات الشرعية والمصلحة العامة بقلم : د. الصادق الهادي المهدي

١-٢
أثار استقبال الفريق أول عبد الفتاح البرهان لبعض القيادات والعناصر التي انشقت أو استسلمت من قوات الدعم السريع جدلاً واسعاً في الساحة السودانية، وانقسمت حوله الآراء بين مؤيد ومعارض. فهناك من يرى في هذه الخطوة ضرورة تفرضها مقتضيات الحرب والسياسة، ووسيلة ناجعة لتفكيك بنية التمرد وإضعاف شوكته وتسريع نهاية الصراع. وفي المقابل، ينظر إليها آخرون بعين الغضب والحسرة، خاصة أولئك الذين اكتووا بنار الحرب، وفقدوا الأهل والديار، وشهدوا بأعينهم فصول القتل والنهب والتشريد، فيرون في بعض هذه الوجوه جزءاً من المأساة التي أثقلت كاهل الوطن وأدمت قلبه.
وبين حرارة المشاعر ومنطق الدولة، وبين مطلب العدالة وضرورات الحرب، تبرز الحاجة إلى قراءة متأنية لا تحكمها الانفعالات وحدها ولا تتجرد من الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. فالقضايا الكبرى لا تُقاس بلحظة الغضب وحدها، وإنما تُوزن بميزان الشرع والحكمة والمصلحة العامة.
أولاً: دلالة آيتي الحرابة والتوبة في سورة المائدة، اذ يستند كثير من الناس إلى قول الله تعالى:
“ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” (33) من سورة المائدة.
وهي آية تقرر عقوبات صارمة بحق الذين يروعون الآمنين ويعيثون في الأرض فساداً، فيسفكون الدماء ويعتدون على الأموال والحرمات، إذ لا تستقيم حياة الأمم إذا تُركت الفوضى تعبث بأمن الناس واستقرارهم.
غير أن القرآن الكريم، وهو يقرر العقوبة، لا يغلق أبواب الرحمة، ولا يسد منافذ العودة إلى الحق. ولذلك جاءت الآية التالية مباشرة لتقول:
“إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (المائدة: 34).
وهنا تتجلى عظمة الشريعة الإسلامية التي تجمع بين الحزم والرحمة، وبين العدل والإصلاح. فهي لا تنظر إلى الإنسان باعتباره مشروع إدانة أبدية، وإنما تفتح له باب التوبة والرجوع ما دام قد أقلع عن البغي وترك طريق الفساد. ولهذا فهم جمهور العلماء أن تشجيع الخارجين على إلقاء السلاح والعودة إلى الجماعة يحقق مقصداً عظيماً من مقاصد الشريعة، وهو حقن الدماء وإطفاء نار الفتنة قبل اتساع رقعتها.
غير أن هذا الفهم لا يعني بحال إسقاط حقوق المظلومين أو التفريط في العدالة. فالتوبة ترفع بعض الأحكام المتعلقة بالتمرد والحرابة، لكنها لا تمحو حقوق العباد، ولا تلغي المظالم التي لحقت بالناس. فالدماء والأموال والأعراض حقوق مصونة لا يجوز أن تضيع تحت أي ذريعة، بل تظل العدالة واجبة، والمحاسبة ضرورة، ورد المظالم فريضة لا تسقط بالتقادم ولا بالاعتبارات السياسية.
ثانياً: موقف أبي بكر الصديق في حروب الردة:
ومن الشواهد التاريخية ذات الدلالة العميقة ما جرى في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه أثناء حروب الردة، عندما بدأت كفة المسلمين ترجح وبدأت جموع المرتدين تستشعر تغير موازين القوى.
فقد جاء بعضهم يستطلعون موقف الدولة الإسلامية ويسألون الخليفة عن مصيرهم، فأجابهم بكلمات موجزة حملت في طياتها معاني السياسة والحكمة والقوة: “حرب مجلية أو سلم مخزية”.
وحين استوضحوا منه معنى السلم المخزية، بيّن لهم أن يلقوا السلاح ويتخلوا عن أسباب القوة التي تمردوا بها، وأن يعودوا إلى جماعة المسلمين خاضعين لسلطان الدولة والنظام العام.
وتكشف هذه الحادثة عن مبدأ راسخ في السياسة الشرعية، وهو أن الغاية من الحرب ليست التشفي ولا الانتقام، وإنما إنهاء التمرد واستعادة السلم العام وإزالة أسباب الفتنة. فالدولة الرشيدة لا تقاتل لمجرد القتال، بل تقاتل لإعادة الاستقرار وحماية المجتمع. وإذا كان قبول استسلام بعض المقاتلين يؤدي إلى تفكيك معسكر التمرد، وإضعاف قدرته على الاستمرار، وتقليل الخسائر البشرية، فإن ذلك يدخل في باب تحقيق المصالح العامة التي راعتها الشريعة وأكدتها تجارب التاريخ.
*بين مقتضيات العدالة ومتطلبات السلام*
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة السودانية اليوم لا يكمن في قبول المستسلمين أو رفضهم فحسب، بل في كيفية الموازنة بين مطلبين عظيمين: العدالة والسلام. فالعدالة ضرورة أخلاقية لا تستقيم الدولة بدونها، والسلام حاجة وطنية لا غنى عنها لإنهاء الحرب واستعادة الأمن والاستقرار.
ومن ثم فإن قبول استسلام الأفراد أو القيادات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره صك براءة مطلقاً، كما لا ينبغي أن يُرفض لمجرد الرغبة في الانتقام. بل يجب أن يكون جزءاً من رؤية وطنية متكاملة تفتح أبواب العودة لمن ترك القتال، وفي الوقت نفسه تحفظ حقوق الضحايا وتؤسس لمحاسبة عادلة وشفافة.
فالأوطان الخارجة من الحروب لا تبنى بالغضب وحده، كما لا تستقر بالتساهل المطلق، وإنما تبنى حين يلتقي العدل بالحكمة، وتتصافح قوة الدولة مع قيم الرحمة، ويُقدَّم مستقبل الوطن على نوازع الثأر، دون أن تضيع حقوق المظلومين أو تُنسى تضحياتهم.
وهكذا تبقى القضية أبعد من مجرد استقبال مستسلمين أو رفضهم؛ إنها اختبار لقدرة الدولة على إدارة مرحلة دقيقة من تاريخها، حيث تتقاطع نصوص الشرع مع ضرورات الواقع، وتتلاقى المصلحة العامة مع مطلب العدالة، في سبيل الخروج بالسودان من أتون الحرب إلى فضاء السلام والاستقرار











