الأخبار

اقتصاد العنف في إفريقيا: كيف تحوّلت الجماعات الإرهابية إلى إمبراطوريات تمويل محلية؟

إعداد _ دكتور ياسر الطيب المهدي

تُشكّل ظاهرة تمويل الإرهاب في أفريقيا تحديًا معقدًا يتجاوز الأبعاد الأمنية التقليدية، ليمتد إلى عمق البنى الاقتصادية والاجتماعية للقارة فخلال العقدين الماضيين، شهدت عدة مناطق أفريقية – ولا سيما في الساحل والقرن الأفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى – تحولًا جوهريًا في طبيعة الجماعات الارهابية، حيث تحوّلت من كيانات أيديولوجية تعتمد على التمويل الخارجي إلى فاعلين اقتصاديين مؤثرين محليًا ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الهيكلية، منها هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها، وانتشار الاقتصادات غير الرسمية، ووفرة الموارد الطبيعية القابلة للاستغلال، إضافة إلى توسع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية، وهي أن نجاح أي سياسة لمكافحة الإرهاب في السياق الإفريقي مرهونٌ بمدى فهمنا للبنى الاقتصادية التي تُغذّيه فقد أظهرت التجارب أن النُهج الأمني وحده لم يعد كافياَ في مواجهة أنظمة اقتصادية مرنة، تتكيّف مع الواقع المحلي وتستغل الثغرات المؤسسية وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى سدّ فجوة معرفية مهمة من خلال تحليل اقتصادات تمويل الإرهاب في مناطق النزاع الأفريقية عبر بوابة الاقتصاد السياسي للصراع وتركّز بشكل خاص على مصادر التمويل المحلية، ودور الاقتصاد غير الرسمي، واستغلال الموارد الطبيعية، والبنية الشبكية للتدفقات المالية غير المشروعة.
تعتمد الدراسة على مجموعة من المصادر تشمل التقارير الدولية والأممية، والأدبيات الأكاديمية المتخصصة، بالإضافة إلى دراسات حالة مستمدة من مناطق الساحل الأفريقي ووسط أفريقيا والسودان وتهدف إلى تقديم فهم أعمق للروابط العضوية بين النزاع المسلح والاقتصاد غير الرسمي، وتحليل الآليات التي تتيح للجماعات المسلحة استغلال الفراغ المؤسسي لإدامة نفسها اقتصادياً، حتى في ظلّ الضغوط الأمنية والعقوبات الدولية. تخلص الدراسة إلى أن تمويل الإرهاب في أفريقيا تحول إلى منظومة اقتصادية كاملة تسهم في استدامة النزاعات وإضعاف الدولة لذلك، تؤكد أن المواجهة الفعالة تتطلب مقاربة تكاملية تجمع بين الإجراءات الأمنية وبين معالجات اقتصادية ومؤسسية عميقة.
تنقسم الدراسة إلى أجزاء متسلسلة تبدأ بشرح الإطار النظري لاقتصادات الصراع، ثم تتناول بالتحليل مصادر تمويل الإرهاب المتعددة وارتباطها بضعف مؤسسات الدولة، وتبحث في الخصائص الشبكية المعقدة لأنظمة التموويل ودور الأبعاد الاجتماعية المحلية في استمرارها وتختتم بتقييم نقدي للسياسات الحالية، قبل أن تُقدِّم سيناريوهات مستقبلية وحزمةً من التوصيات العملية الموجهة لصناع القرار على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
كلمات مفتاحية: تمويل الإرهاب، اقتصادات الصراع، هشاشة الدولة، الموارد الطبيعية، الاقتصاد غير الرسمي، الجريمة المنظمة العابرة للحدود، الجماعات الإرهابية.

ABSTRACT

The phenomenon of terrorist financing in Africa poses a complex challenge that goes beyond the traditional security dimensions, extending deep into the economic and social structures of the continent. Over the past two decades, several African regions, especially in the Sahel, the Horn of Africa, and the Great Lakes region, have experienced a fundamental transformation of armed groups, as they have transformed from ideological entities dependent on external financing to locally influential economic actors. This transformation was not accidental, but came as a result of the interaction of a set of structural factors, including the fragility of the state and the weakness of its institutions, the spread of informal economies, and the abundance of exploitable natural resources, in addition to the expansion of transnational organized crime networks.
Experience has shown that the security approach alone is not sufficient in the face of flexible economic systems that adapt to local realities and exploit institutional gaps. Therefore, this study seeks to fill an important knowledge gap by analyzing the economics of terrorism financing in African conflict zones through the portal of the political economy of the conflict and focuses in particular on local sources of financing, and the role of the informal economy.
The study draws on a range of sources, including international and UN reports, specialized academic literature, and aims to provide a deeper understanding of the organic links between armed conflict and the informal economy, and analyze the mechanisms that allow armed groups to exploit the institutional vacuum to sustain themselves economically, even under security pressures and international sanctions.
The paper concludes that the financing of terrorism in Africa has turned into a complete economic system that contributes to the sustainability of conflicts and the weakening of the state; therefore, it emphasizes that effective confrontation requires an integrative approach that combines security measures with deep economic and institutional treatments.
The paper is organized into sequential sections that examine terrorist financing through a conflict-economics framework, culminating in policy assessment, future scenarios, and targeted recommendations.
Keywords: financing of terrorism, conflict economies, state fragility, natural resources, informal economy, Transnational Organized Crime, terrorist groups.
المقدمة
تشهد القارة الأفريقية تحوّلاً عميقاً وجوهرياً في طبيعة التهديدات الأمنية، فلم يعد العنف المسلح مقتصراً على الصراعات التقليدية بين الدول، أو حتى على الجماعات المتمردة ذات المطالب السياسية الواضحة، بل برز نموذج جديد أكثر تعقيداً يتمثل في جماعات إرهابية تحوّلت تدريجياً إلى كيانات اقتصادية شبه مستقلة، تمتلك هياكل مالية متطورة. لم يحدث هذا التحول من فراغ، بل تطور بيئة خصبة تغذيها ثلاثة عوامل مترابطة: ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن احتكار استخدام القوة الشرعية، واتساع نطاق المناطق الحدودية والنائية التي تفلت من سيطرة الحكومات الفعلية، ووفرة الموارد الطبيعية التي يمكن نهبها واستغلالها في ظل أنظمة رقابة ضعيفة.
أفرزت هذه البيئة المثالية حاضنة لنمو ما يُعرف بـ “اقتصادات الحرب” المتشابكة، والتي لا تكتفي بتمويل العمليات العسكرية، بل تتعداها إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات المحلية كما تعمل على إعادة تعريف مفاهيم السلطة والشرعية في المناطق المهمشة وهذا التحوّل الجوهري يزيد من صعوبة المواجهة الأمنية التقليدية مما يقود إلى دورات متجددة من العنف واستنزاف للموارد من دون تحقيق نصر حاسم أو نتائج واضحة.
في ظلّ هذا التحول الجذري، تطرح هذه الدراسة سؤالاً محورياً: كيف تمتلك الجماعات الإرهابية في بؤر الصراع الأفريقية القدرة على تصميم وبناء أنظمة تمويل محلية معقدة، ليست قادرة على الصمود في وجه الحملات الأمنية والعقوبات الدولية فحسب، بل أيضًا على التكيّف والنمو باستمرار؟ للإجابة على هذا التساؤل، تسلك الدراسة مساراً مزدوجاً يجمع بين الإطار النظري والتحليل التطبيقي فمن الناحية النظرية، تستند الدراسة إلى إطار لاقتصاد السياسي للصراع للكشف عن العلاقة العضوية بين العنف المنظم وعمليات جمع الأموال وإدارتها وهذا المنظور يساعد على فهم كيف تتحول الحرب من حدث مدمر إلى “نظام اقتصادي بديل”، له قواعده الخاصة وآلياته التي تضمن استمراريته.
أما على ارض الواقع، فإن الدراسة تنزل بهذا الإطار النظري من خلال منهج دراسة الحالة المقارن، مع التركيز على منطقتي الساحل الأفريقي ووسط أفريقيا كمناطق شديدة الدلالة وهنا، يتم تشريح الآليات العملية والأدوات التي تعتمد عليها هذه الجماعات، مثل استغلال موارد الذهب والمعادن، والدخول في تحالفات استراتيجية مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتغلغل العميق في الاقتصادات غير الرسمية والمجتمعات المحلية؛ وذلك لخلق مصادر دخل متجددة وبناء شرعنة ذاتية.
وعليه، تحاول هذه الدراسة سدّ فجوة منهجية واضحة في أدبيات مكافحة الإرهاب، التي كثيراً ما تتعامل مع المشكلة بمنظور اختزالي، يفصل بين التحليل الأمني النظري والواقع الاجتماعي والاقتصادي المعقد لمناطق الصراع. فخلافاً للاعتقاد السائد بأن قطع التمويل الخارجي هو الضربة القاضية، تبحث هذه الدراسة في كيفية قيام الجماعات الإرهابية بتحويل مصادر تمويلها بذكاء، مستبدلةً الاعتماد على الدعم الخارجي بشبكات محلية متجذرة واللافت أن هذه الشبكات تُموَّل – على نحو متناقض – من خلال موارد المجتمعات المحلية ذاتها، التي تدّعي هذه الجماعات تمثيلها أو حمايتها.
أولاً: الاطار العام للدراسة
مشكلة الدراسة
تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن التركيز على المقاربات الأمنية والعسكرية في مكافحة الإرهاب في إفريقيا لم يُفضِ إلى نتائج مستدامة، ويرجع ذلك الى تجاهل البعد الاقتصادي البنيوي الذي يمكّن الجماعات المسلحة من الاستمرار والمرونة.
تتمثل مشكلة الدراسة في قصور الفهم التحليلي لاقتصادات تمويل الإرهاب عندما تُختزل في قنوات مالية خارجية، دون الالتفات إلى كونها منظومة محلية متجذرة في عجز الدولة واتساع الاقتصاد غير الرسمي. ويترتب على هذا القصور ضعف في فعالية السياسات الرامية إلى تجفيف مصادر التمويل، بما يجعلها عاجزة عن التعامل مع الطبيعة البنيوية والمتغيرة للظاهرة.
أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المترابطة، أبرزها:
فهم الكيفية التي تتشكل بها اقتصادات تمويل الإرهاب في إفريقيا باعتبارها جزءًا بنيويًا من اقتصادات الصراع في سياقات تتسم بضعف الدولة ومحدودية قدرتها.
تحليل مصادر التمويل المحلية التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية، مع تجاوز التفسيرات السائدة التي تحصر الظاهرة في الدعم الخارجي.
تفسير دور الاقتصاد غير الرسمي واستغلال الموارد الطبيعية، إلى جانب الطابع الشبكي العابر للحدود، في ضمان استمرارية هذه الجماعات وقدرتها على التأقلم وإعادة التموضع.
تقييم حدود المقاربات الأمنية التقليدية، والسعي إلى بلورة إطار تحليلي يدعم تطوير سياسات أكثر شمولًا وملاءمة لمكافحة تمويل الإرهاب في السياق الإفريقي.
3. فرضيات الدراسة
تعتمد الدراسة على فرضية رئيسية وعدد من الفرضيات الفرعية:
الفرضية الرئيسية
إن نجاح سياسات مكافحة الإرهاب في إفريقيا لا يعتمد فقط على الحلول الأمنية والعسكرية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفهم الهياكل الاقتصادية التي تُغذي تمويل الجماعات الإرهابية وتساعد على استمرارها.
الفرضيات الفرعية
تعتمد الجماعات الإرهابية في إفريقيا بشكل واضح على مصادر تمويل محلية مرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي.
تُسهم هشاشة الدولة وضعف المؤسسات في ازدهار اقتصادات تمويل الإرهاب.
يؤدي استغلال الموارد الطبيعية القابلة للنهب إلى توفير مصادر تمويل مستدامة للجماعات الإرهابية.
يُعزز الانتشار الشبكي والعابر للحدود للتمويل غير المشروع قدرة الجماعات على التعاطي مع الإجراءات الأمنية والعقوبات.
تُظهر السياسات التي تركز على تجفيف القنوات المالية الرسمية فقط فعالية محدودة في البيئات المتأثرة بالنزاعات.
منهجية الدراسة
تعتمد الدراسة على منهج تحليلي، يستند إلى مقاربة الاقتصاد السياسي للصراع، لفهم العلاقة بين الإرهاب، والاقتصاد غير الرسمي، وهشاشة الدولة.
المنهج المستخدم:
المنهج التحليلي: لتحليل وتفسير الظاهرة في سياقها البنيوي والسياسي والاقتصادي.
منهج الاقتصاد السياسي: لفهم تمويل الإرهاب بوصفه نتاجًا لتفاعلات السلطة والموارد والمؤسسات.
منهج دراسة الحالة: من خلال التركيز على حالات مختارة من:
الساحل الإفريقي.
وسط إفريقيا.
السودان.
أدوات جمع البيانات
تحليل التقارير الدولية والأمم المتحدة المتخصصة.
مراجعة بعض الأدبيات الأكاديمية ذات الصلة بتمويل الإرهاب والنزاعات المسلحة.
تحليل دراسات حالة في مناطق النزاع الإفريقية.
حدود الدراسة
حدود مكانية: قارة إفريقيا مع تركيز على بعض المناطق المتأثرة بالنزاع.
حدود موضوعية: اقتصادات تمويل الإرهاب ومصادره وآلياته.
حدود زمنية: تركز الدراسة على العقدين الأخيرين، حيث شهدت خلالهما الجماعات الإرهابية تحولاً جوهرياً كبيراً في بنيتها وتمويلها وعلاقاتها الإقليمية.
خامسًا: القيمة العلمية للمنهجية
تتصف هذه المنهجية بالآتي:
تتخطّى المقاربات الأمنية الضيّقة وتبتعد عن المعالجات الأمنية أحادية البعد.
تربط بين الإرهاب والاقتصاد غير الرسمي في إطار تحليلي واحد.
توفّر أساسًا عمليًا للإسهام في إعادة تصميم سياسات مكافحة تمويل الإرهاب.
ثانياً: الإطار النظري
اقتصادات الصراع وتمويل الإرهاب
تشير أدبيات الاقتصاد السياسي للنزاع إلى أن الحروب الأهلية والصراعات الممتدة تنتج ما يُعرف بـ”اقتصادات الحرب”، حيث تتحول المجموعات المسلحة من فواعل أيديولوجية خالصة إلى فواعل تبحث عن الربح وتعيد تشكيل الهياكل الاقتصادية المحلية (Collier et al.2003,112).
هذا التحول يُنشئ اقتصاداً موازياً يعتمد على أنشطة مثل التهريب، ابتزاز السكان المحليين، أو السيطرة على الموارد الطبيعية بذلك، تصبح نهاية الصراع أكثر تعقيداً لأن دوافع الربح تحلّ محل الأهداف السياسية الأصلية، مما يطيل من عمر النزاع ويزيد من تحديات تفكيك الجماعات الإرهابية والجماعات الأخرى المسلحة بعد انحسار القتال.
من زاوية مكافحة الإرهاب، يتطلب هذا إلى ضرورة الجمع بين المقاربات الأمنية والاقتصادية في برامج نزع السلاح وإعادة الدمج، مع التركيز على تفكيك شبكات التمويل غير الشرعية التي تغذي اقتصاد الحرب.
في هذا السياق، لا تعمل الجماعات الإرهابية خارج الاقتصاد، بل تنشئ اقتصادًا موازيًا يسيطر على الموارد والأسواق، ويستفيد من الفراغ المؤسسي الذي تخلّفه الدولة الهشة أو الغائبKeen,1998,45)).
كما تُظهر تقارير دولية أن الصراعات طويلة الأمد ترتبط بتوسع الاقتصاد غير الرسمي والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، بما يقوّض قدرة الدولة على الجباية والرقابة، ويخلق بيئة مثالية لازدهار تمويل الإرهاب UNODC,2013,9)).
لا ينظر إلى تمويل الإرهاب كظاهرة مالية معزولة، بل كنتاج لتفاعل ثلاث دوائر: اقتصادات الصراع الداخلي، وضعف الدولة، وانتشار الشبكات الاقتصادية غير الرسمية العابرة للحدود ويسعى الإطار إلى تجاوز المقاربات الاختزالية، ويُبرز هذا الطرح الترابط البنيوي بين عجز الدولة وتنامي اقتصادات الظل في مناطق النزاع. ففي ظل تراجع السيادة القانونية، تتحول الحدود من أدوات للضبط الإداري إلى فضاءات مفتوحة للتهريب والأنشطة غير المشروعة. ولا يقتصر أثر هذا التآكل في سلطة الدولة على فقدان الإيرادات الضريبية، بل يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة لملء الفراغ القائم، عبر فرض أشكال بديلة من “الحماية الأمنية” على الأنشطة غير الرسمية. ومع الوقت، يُسهم هذا الواقع في ترسيخ نظام اقتصادي موازٍ يُعاد من خلاله تدوير العوائد الإجرامية لتمويل العمليات الإرهابية وإطالة أمد الصراع.
اقتصادات الحرب والوظائف الاقتصادية للعنف
يرى ديفيد كينDavid Keen) ) أن للعنف وظائف اقتصادية واضحة، من بينها إعادة توزيع الثروة، وإقصاء المنافسين، وخلق فرص ربح جديدة في ظل انهيار المؤسسات الرسمية (Keen, 1998,45‏).
“تكمن أهمية رؤية كين في أنها تحول زاوية النظر إلى الحرب: فهي ليست مجرد انهيار أو فوضى، بل إعادة تشكيل للسوق والسلطة. فالعنف هنا ليس خللاً وظيفياً، بل أداة لفرض قواعد لعبة جديدة، يستفيد منها أمراء الحرب وشبكات التهريب، ويخسر منها المدنيون والدولة معاً.”. فالباحث هنا لا يكتفي برصد مظاهر العنف، بل يفكك التصور التقليدي السائد الذي يرى الحروب كفوضى عبثية، ليبيّن أنها في الواقع عملية إعادة تشكيل للسوق، يصبح فيها العنف أداة لفرض قواعد لعبة جديدة تخدم النخب المسلحة وشبكات المنتفعين من الحرب (War Profiteers). هذا النوع من التحليل يساعدنا على فهم سبب استمرار الصراعات في مناطق مثل الساحل الإفريقي أو الشرق الأوسط؛ إذ تتحول الحرب نفسها إلى وسيلة للعيش وتزايد الأموال، لا مجرد وسيلة للوصول إلى هدف سياسي محدد. وبذلك، يصبح “السلام” بالنسبة لأطراف معيّنة خيارًا مكلفًا، لأنه يعني عمليًا نهاية امتيازاتهم الاقتصادية غير المشروعة.
من ثنائية الجشع والمظلومية إلى مقاربة الاقتصاد السياسي
قدّم بول كوليير وزملاؤه إطار الجشع مقابل المظلومية الذي يميّز بين دوافع مادية (الجشع) وأخرى متعلقة بالحرمان والهوية (المظلومية) في تفسير النزاعات المسلحة( .(Collier et al, 2003, 112يوضح هذا الإطار كيف تنتقل الجماعات الإرهابية تدريجياً من الدوافع المبنية على الهوية إلى الاعتماد على المكاسب المادية، مما يربط استدامتها باقتصادات الحرب لا بالأهداف السياسية. وهذا ما يفسر صمود تنظيمات مثل داعش بعد هزائمها العسكرية، حيث تحولت إلى التهريب والابتزاز كمصادر رئيسية للتمويل.
ورغم الانتقادات الموجهة للفصل الحاد بين المظلومية والجشع، يظل هذا الإطار مهماً لأنه يسلط الضوء على أن توافر الموارد القابلة للنهب يزيد من احتمالات استمرار الصراع، ويخلق بيئة حاضنة لاقتصادات تمويل الإرهاب (Collier et al, 2003, 115)، لكن الدراسات اللاحقة في الاقتصاد السياسي للصراع تفيد بأن الجماعات الإرهابية في إفريقيا تمزج بين خطاب المظلومية واستغلال الفرص الاقتصادية، مما يجعل تقديمها كفاعلين «لاعقلانيين» مقاربة قاصرة (مركز الجزيرة للدراسات، 2021، ص 18).
واقع الجماعات الإفريقية، مثل بوكو حرام وحركة الشباب، يُظهر أنها تمارس منطقاً مزدوجاً: تستثمر في خطاب المظلومية لاستقطاب الأنصار وبناء شرعية خطابية، وتنخرط في أنشطة اقتصادية غير مشروعة لضمان موارد مالية مستدامة. هذا التداخل يحوّل مصادر التمويل من أدوات تقنية إلى روابط اجتماعية واقتصادية، تكرس شبكات مصالح محلية وتمنح الجماعات شرعية وظيفية، مما يجعل استئصالها أمنياً مستحيلاً دون تفكيك هذه الشبكات أولاً.
بناءً على ذلك، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة تتجاوز منطق الردع العسكري، وتجمع بين تجفيف مصادر التمويل، وتفكيك البنى الاقتصادية الداعمة، ومواجهة الخطابات التي تستثمر في التهميش والحرمان. وهي مقاربة لا تلغي الأدوات الأمنية، بل تضعها في إطار أوسع يعالج الشروط المنتجة للظاهرة، لا أعراضها فقط.
هشاشة الدولة واقتصادات التمويل
تربط أدبيات “الدولة الفاشلة والهشة” بين ضعف مؤسسات الدولة وتآكل احتكارها للعنف من جهة، وصعود فاعلين مسلحين قادرين على جباية الموارد وتقديم بدائل شبه مؤسسية من جهة أخرى( (Rotberg, 2003, 88فانهيار الوظائف الأساسية للدولة – الأمن، العدالة، الخدمات – لا يخلق فراغاً مؤسسياً فحسب، بل يفسح المجال أمام اقتصادات موازية يديرها أمراء حرب وتنظيمات مسلحة، بما فيها الجماعات الإرهابية (Rotberg, 2003, 90) ويعني ذلك أن تمويل الإرهاب لا يمكن اختزاله في تتبع مصادر الأموال، بل ينبغي فهمه ضمن بنية أوسع تعيد «خصخصة» وظائف الدولة لصالح فاعلين غير رسميين (الطيار، 2019، 30).
من هذا المنظور، يتحول تمويل الإرهاب إلى نتاج بنيوي لاختلال العلاقة بين الدولة ووظائفها السيادية، وليس مجرد نشاط إجرامي معزول. فالتراجع في قدرة الدولة على احتكار العنف وتقديم الخدمات يفتح الباب أمام فاعلين مسلحين يعيدون تنظيم المجالين الاقتصادي والسياسي عبر آليات جباية بديلة، فيتشكل اقتصاد سياسي موازٍ تُستعاد فيه وظائف الدولة لصالح جماعات غير رسمية. وهنا يصبح تمويل الإرهاب مرتبطاً ببنية الحكم الهش أكثر من ارتباطه بمصادر التمويل التقليدية، مما يعني أن أي مقاربة أمنية لمكافحته تظل قاصرة ما لم تُدمج ضمن سياسات أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة وظائفها السيادية.
تنتج هذه الديناميكيات ترتيبات «حكم هجين» يتحول فيها العنف من وسيلة لتحقيق غايات أيديولوجية إلى أداة للإدارة الاقتصادية وضبط الأسواق (الطيار، 2019، 48). وهنا لم يعد تمويل الإرهاب مجرد نشاط إجرامي عابر، بل نتاج بنيوي مباشر لهشاشة الدولة؛ فالجماعات المسلحة تستغل الفجوات المؤسسية لفرض «سيادة وظيفية» بديلة، فتتحول من تنظيمات عقائدية إلى مشغِّلين سياسيين يديرون الموارد ويقدمون الخدمات، مستبدلين الشرعية الدستورية بترتيبات حكم هجين.
وفي خضم هذا التحول، يصبح العنف «مؤسسة اقتصادية» ولغة إدارية لتأمين خطوط الريع، مما يجعل استدامة «حالة اللادولة» شرطاً ضرورياً لبقاء هذه الجماعات؛ إذ تُعاد تعريف السيادة لتصبح مرتبطة بالقدرة على الجباية والإدارة المحلية بعيداً عن المركز. وانطلاقاً من هذا الفهم، يتحول تحليل شبكات التمويل غير الرسمي من مجرد أداة تقنية لملاحقة التدفقات المالية إلى مدخل استراتيجي لفهم آليات الصراع ذاته.
الإرهاب كاقتصاد شبكي عابر للحدود
تُظهر تقارير مجموعة العمل المالي والهيئات الحكومية (FATF) أن تمويل الإرهاب في إفريقيا يتخذ شكل شبكات مرنة تربط بين جماعات مسلحة، وشبكات جريمة منظمة، ومؤسسات مالية رسمية وغير رسمية .(FATF, .2022, 14)هذه الشبكات لا تقتصر على التحويلات النقدية المباشرة، بل تشمل تدفقات معقّدة من السلع (ذهب، معادن، وقود) ، والخدمات (تهريب، حماية، نقل)، يتم تدوير عائداتها عبر قنوات يصعب تعقّبهاFATF, 2022, 16 )). ويساعد هذا المنظور الشبكي على فهم كيفية قدرة الجماعات على الصمود رغم الضغوط الأمنية والعقوبات .(UNSC, 2022, 7)
ما تقدم يعكس انتقال تحليل تمويل الإرهاب من التركيز على القنوات المالية التقليدية إلى فهمه بوصفه ظاهرة شبكية عابرة للقطاعات والحدود فهي تُبرز أن التمويل لا يعمل كمسار خطي بين مصدر ومستفيد، بل كمنظومة مترابطة تجمع بين الفاعلين المسلحين والاقتصادات غير المشروعة والأنظمة المالية الرسمية وغير الرسمية ويكشف هذا الطابع الشبكي عن قدرة هذه الجماعات على تنويع مصادر الدخل وتوزيع المخاطر، بما يقلّل من فعالية الأدوات التقليدية للملاحقة المالية ونتيجة لذلك، يصبح تمويل الإرهاب عنصرًا بنيويًا في اقتصادات الصراع، لا مجرد نشاط داعم له، ما يفرض مقاربة شاملة تدمج بين مكافحة الجريمة المنظمة، وضبط سلاسل التوريد غير المشروعة، وتعزيز الحوكمة المالية على المستويات المحلية والإقليمية.
البعد الاجتماعي المحلي: الاقتصاد غير الرسمي كمصدر للشرعية
تضيف الأدبيات المعنية بالمجتمع المحلي في مناطق النزاع بُعدًا مهمًا، إذ تُظهر أن المجتمعات لا تتعامل مع اقتصادات تمويل الجماعات المسلحة فقط بوصفها ظاهرة مفروضة من الخارج، بل كثيرًا ما تُدمِجها في استراتيجيات البقاء اليومي (مركز دراسات الوحدة العربية، 2020، 55).
في ظل الفقر وغياب الخدمات وفرص العمل، يصبح الانخراط في التعدين غير الرسمي أو شبكات التهريب أو منظومات الجباية التي تديرها الجماعات المسلحة خيارًا عمليًا للفئات المهمّشة يؤدي ذلك إلى نوع من الشرعنة الاجتماعية والاقتصادية لهذه الجماعات، حيث تُرى – جزئيًا – كفاعل يوفر «نظامًا بديلًا» ولو على نحو قسري، ما يعقّد محاولات عزلها عن حاضنتها المحلية (مركز دراسات الوحدة العربية، 2020، 60).
عندما تتحوّل هذه الجماعات إلى المصدر الوحيد للدخل ــ وإن كان متواضعًا ومحفوفًا بالمخاطر ــ وتُمسك بتنظيم الأسواق، وتصبح مرجعيةً لحل النزاعات المحلية، و تكتسب شرعيةً وظيفيةً(Functional Legitimacy) ، تتعمق بمرور الوقت، هذه الشرعية لا تنبُع من قبول أيديولوجية الجماعة أو شرعيتها الدستورية، بل تُستمدّ من قدرتها على تقديم الحد الأدنى من “الخدمات” والنظام في فضاءٍ تعمّ فيه انهيارٌ تامّ لدور الدولة. وهكذا لا تقتصر هذه الجماعة على احتلال الأرض، بل تملأ فراغًا وجوديًا خلّفه انسحاب الدولة أو فشلها، لتتحول من قوة معتدية إلى “إدارة أمر واقع” تصبح ضروريةً للحياة اليومية.
هذا التحول يفرض عقداً اجتماعياً مشوهاً (Distorted Social Contract)، تكون فيه الطاعة مُقابل الحماية، والتبعية الاقتصادية مُقابل فرصة البقاء، فهو عقد قائم على الخوف من الفوضى والعنف من جهة، والمنفعة المادية المحدودة من جهة أخرى، هذا الواقع لا يزيد من سيطرة الجماعة فحسب، بل يعيد تشكيل الولاءات والهويات المحلية ، حيث يصبح انتماء الفرد لمحيطه الاقتصادي والاجتماعي (الذي تهيمن عليه الجماعة) أقوى من انتمائه لمؤسسات الدولة ومؤسساتها.
نتيجة هذا التشابك المعقد، تصبح فكرة عزل الجماعة عن مجتمعها الحاضن صعبة عملياً، فهي لم تعد كياناً خارجياً يُمكن اقتلاعه، بل أصبحت جزءاً من نسيج العلاقات الاقتصادية والاجتماعية اليومية: تدير الأعمال التي يتكسب منها أفراد المجتمع المحلي، وتتوسط في بيع المحصول، وتحل النزاعات على الأرض، وتفرض الضرائب وتوفر الحماية في المقابل.
إن أي محاولة لاجتثاث هذه الجماعة بالقوة العسكرية من دون تفكيك هذا النسيج المُعقد أولاً، ليست في جوهرها سوى هجوم على شبكة الأمان الوحيدة — ولو كانت هشّة — التي يعتمد عليها السكان في بقائهم. وهذا بدوره يدفع الناس — دفاعاً عن مصالحهم الحيوية الملموسة — إلى مزيد من التماسك والالتفاف حولها، ولو عن كراهة وضرورة، ليصبح وجودها مرتبطاً ببقائهم هم أنفسهم. وهكذا، ما كان في السابق مشكلة أمنية يمكن احتواؤها عسكرياً، بات اليوم قضية وجودية مجتمعية تتطلب فهماً أعمق، وحلولاً أكثر تعقيداً من الوسائل التقليدية وحدها.
تمويل الإرهاب بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي
تُبرز أدبيات غسل الأموال وتمويل الإرهاب الفجوة بين تركيز السياسات الدولية على القطاع المالي الرسمي وبين واقع اعتماد الجماعات الإرهابية في إفريقيا على الاقتصاد غير الرسمي والموارد الطبيعية (باهي، 2021 ،73).
فبينما تراقب الأطر الدولية التحويلات المصرفية والشبكات المصنَّفة، تتحرك معظم التدفقات المرتبطة بتمويل الإرهاب عبر قنوات تقليدية (أسواق نقدية محلية، حوالات غير رسمية، تجارة حدودية صغيرة الحجم)، يصعب ضبطها بالأدوات الكلاسيكية للامتثال المالي (باهي، 2021 ،75).
يكشف هذا التباين بين مجال الرؤية التنظيمي وطبيعة الاقتصاد الفعلي في مناطق النزاع عن أحد أهم التحديات النظرية والعملية في مكافحة تمويل الإرهاب (IEP, 2024, 32)، ويُبرز انفصالاً عميقاً بين منظور دولي ضيّق وبين واقع محلي معقّد. فمن جهة، تُركّز الأطر الدولية بدرجة كبيرة على مراقبة النظام المالي الرسمي، بينما تعتمد الجماعات في الواقع على الاقتصاد غير الرسمي والموارد الطبيعية غير المنظمة. ويكمن التناقض الأعمق في أن الأدوات الرقابية الدولية مصممة لملاحقة تدفقات كبيرة ضمن قنوات رسمية، في حين أن التمويل الفعلي لهذه الجماعات يعتمد على آليات محلية لا مركزية ومتخفية، مثل التحويلات التقليدية والتجارة الحدودية الصغيرة، التي تتجنب عمداً البنى المالية التقليدية الخاضعة للرقابة.
يُنتج عن ذلك تحدٍ جوهري يتمثل في تضارب واضح بين “مجال الرؤية” المحدود والمُنهج للأدوات الدولية، وبين “مجال الفعل” المتسع والعشوائي للاقتصاد في مناطق الصراع. وهذا التناقض يخلق إشكالياً حقيقياً على المستويين النظري والعملي، يتطلب إعادة نظر جذرية في النماذج التقليدية، لتصبح أكثر مراعاة للسياقات المحلية وتركيبة الشبكات غير الرسمية المعقدة.
إفريقيا في أدبيات تمويل الإرهاب
رغم أن الأدبيات المبكرة حول تمويل الإرهاب ركّزت على الشرق الأوسط وشبكات التمويل الخيرية والتحويلات العابرة للحدود، فإن العقود الأخيرة شهدت تناميًا في الدراسات التي تنظر إلى إفريقيا بوصفها مسرحًالاقتصادات تمويل ذات طابع محلي– موارديUNSC,2022,12)).
تحظى دراسة اقتصادات الإرهاب في أفريقيا باهتمام متزايد، بوصفها مدخلاً حاسماً لفكِّ شفرة آليات التمويل المعقدة. وقد شهد هذا الحقل تحولاً كبيراً على مستوى النظريات والمنهجيات؛ فبعد أن كان التركيز منصبّاً تقليدياً على الشرق الأوسط وشبكات التمويل الخيرية العابرة للحدود، ظهر تحيّز جغرافي ونظري واضح.
أمّا اليوم، فينظر النموذج التحليلي الحديث إلى أفريقيا بوصفها “ساحة مالية” نشطة، تتسم باقتصادات تمويلية فريدة ذات طابع “محلي-مواردي”. وهذا التحوّل لا يقتصر على مجرد توسيع النطاق الجغرافي للدراسة، بل هو تحوّل نوعي يعيد تعريف الظاهرة من جذورها؛ إذ ينتقل التركيز من مفهوم الاعتماد على التمويل الخارجي المنظَّم، إلى فهم قدرة الجماعات الإرهابية على استثمار البيئة المحلية لتأمين تدفقات مالية مستقرة، عبر استغلال الموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية غير الرسمية.
نتيجةً لذلك، تظهر محدودية الأدوات والسياسات المستمدة من النموذج القديم في مواجهة النموذج الأفريقي، مما يستدعي تطوير أدوات بحثية جديدة تركّز على الاقتصاد السياسي المحلي، وتصميم حلول أمنية تتعامل مع تعقيدات الاقتصاد غير الرسمي وإدارة المواقع والموارد.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تطبيق نماذج جاهزة، بل في تفكيك السياق الخاص لكل بؤرة نزاع؛ ففهم آليات التمويل المحلية وتشريح العلاقات الاقتصادية العرفية هما المدخل الوحيد لمواجهة فعالة.
تبرز هذه الأدبيات دور الذهب والمعادن والتهريب العابر للصحراء، كما تتناول تداخل الجماعات الإرهابية مع النزاعات على الموارد والهويات المحلية، ما يجعل الحالة الإفريقية مختبرًا مهمًا لفهم التحول من نماذج التمويل المركزي إلى نماذج أكثر لامركزية وتجزؤًا(مركز الجزيرة للدراسات، 2021، 25).
تتعدد مصادر تمويل الإرهاب في أفريقيا وتتشابك بشكلٍ معقد. فمن المصادر الملموسة كتجارة الذهب والمعادن والتهريب العابر للصحراء – التي تشكل نموذجاً اقتصادياً يجمع بين الاستخراج الأولي والشبكات اللوجستية غير الشرعية – إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية الأكثر عمقاً، والتي تكشف كيف تندمج هذه الجماعات في نزاعات محلية على الموارد والهوية.
وهذا التشابك يحوِّل أنشطة التمويل من مجرد عمليات مالية إلى جزء عضوي من اقتصاد سياسي للحرب، يستثمر البيئات الهشة ويغذيها. نتيجة لذلك، تتحول ظاهرة التمويل إلى قضية مجتمعية معقدة، لا تكفي لمواجهتها الأدوات التقنية أو المالية الضيقة، بل تتطلب فهماً شاملاً لـ “اقتصادات الصراع” المتجذرة محلياً، وأدوات تحليلية وسياسية مبتكرة تنبثق من هذا الفهم.
ثالثاً: مصادر تمويل الإرهاب في مناطق النزاعات الإفريقية
استغلال الموارد الطبيعية:
تلعب الموارد الطبيعية، ولا سيما الذهب والمعادن النفيسة، دورًا محوريًا في هيكلة اقتصادات تمويل الإرهاب في القارة FATF, 2022,18)).
في إقليم الساحل الإفريقي، تسيطر جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش على مواقع تعدين تقليدي، وتفرض رسوماً على أنشطة التعدين وطرق التهريب، ما يحوّل هذه الموارد إلى مصدر دخل ثابت يمكّنها من تجنيد المقاتلين وشراء السلاح FATF, 2016, 24) ). في شرق الكونغو الديمقراطية، تعتمد الجماعات المسلحة على السيطرة على مناجم الكولتان والذهب ضمن شبكات تهريب إقليمية ودولية تتداخل فيها مصالح فاعلين محليين وإقليميين وشركات عابرة للحدود(UNODC, 2013, 15). كما أظهرت تقارير حديثة أن الذهب أصبح موردًا استراتيجيًا في النزاع السوداني، حيث تسهم شبكات تهريبه في تمويل العمليات العسكرية وإطالة أمد الصراعUNSC, 2022, 18)).
تؤكد الوقائع الميدانية على تحول الموارد الطبيعية في أفريقيا من فرص اقتصادية إنمائية محتملة إلى وقودٍ حيوي يُغذي استمرار العنف. يتجسَّد هذا التحول عبر عولمة اقتصاد الظل، حيث تتداخل المواد الخام المحلية مع شبكات تهريب دولية ومع شركات عابرة للحدود، محوّلةً تمويل النزاع من شأنٍ محلي إلى نشاطٍ يتجاوز الحدود القارية.
وفي خضمّ هذه التحول، تبرز ظاهرة السيادة البديلة؛ ففي الساحل والكونغو، لم تعد الجماعات المسلحة مجرد تنظيمات أيديولوجية، بل تحولت إلى جهات اقتصادية فاعلة، تحلُّ سلطتها محل سلطة الدولة للسيطرة على نقاط تحصيل الأموال غير الشرعية، ويأتي الذهب في صدارة هذه الموارد، بوصفه عملة الحرب المثالية وذلك لسهولة إستخراجه نسبياً، صعوبة تتبعه، وتجاوز النظام المالي الرسمي بكفاءة.
ينشأ عن هذا الالتحام العضوي بين السلاح والمورد الاستراتيجي ما يُعرف بـ “الارتهان للمسار”، حيث يصبح استمرار الصراع ذاته هو المصلحة الاقتصادية العليا للأطراف الفاعلة. والنتيجة هي إطالة أمد الحروب بشكل مُمنهج، وتآكل الحوافز السياسية للسلام، مقابل تضخُّم مكاسب اقتصادات الحرب واستمراريتها.
الاقتصاد غير المشروع والجريمة المنظمة
تُظهر بيانات أممية أن غرب إفريقيا يشكّل عقدة مركزية في شبكات التهريب العابر للحدود، حيث تتقاطع الجريمة المنظمة مع الجماعات الإرهابية في مسارات وقود، وسلاح، ومخدرات، واتجار بالبشر(UNODC, 2013, 20).
هذا التداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة يعقّد جهود المكافحة، إذ يتحول النشاط الإرهابي إلى جزء من منظومة اقتصادية إجرامية واسعة تستفيد من ضعف الرقابة الحدودية وتضارب السياسات بين الدول .(UNODC, 2013, 22)
كما يُلاحظ أن عائدات هذه الأنشطة لا تُستخدم فقط في تمويل العمليات، بل أيضًا في شراء الولاءات المحلية وخلق شبكات حماية مجتمعية (مركز الجزيرة للدراسات، 2021، 35).
يُبرز هذا المشهد ظاهرة التداخل الإجرامي-الإرهابي(Terror-Crime Nexus)، حيث يكشف تداخل الجماعات الإرهابية مع شبكات الجريمة المنظمة عن تحول جوهري في سلوك هذه التنظيمات نحو براغماتية اقتصادية (Economic Pragmatism) ، تتمثل في تقديم المنفعة المادية والربح المالي على الأهداف العقائدية أو المبادئ الأيديولوجية. وهكذا يتراجع البُعد العَقَدي خلف المصالح المالية المشتركة، ليتحول الإرهاب إلى مشروع اقتصادي ربحي عابر للحدود، يستثمر الفجوات في “المساحات غير المحكومة” وتضارب السياسات الدولية.
تكمن الخطورة الاستراتيجية لهذا التحول في توجيه العائدات المالية لبناء دولة موازية، عبر شراء الولاءات المحلية وسد الفراغ الخدمي الناجم عن غياب الدولة، مما يخلق حاضنة اجتماعية يصعب معها استئصال هذه الجماعات بالوسائل الأمنية وحدها. كما أن اندماج النشاط الإرهابي ضمن نسيج اقتصادي إجرامي أوسع يعني تحرك الأموال عبر قنوات لا رسمية (كالمقايضة، وتجارة السلع، والحوالات التقليدية) بعيداً عن أنظمة الرقابة المالية التقليدية. هذا الواقع يفرض ضرورة الانتقال من سياسات المواجهة الأمنية الضيقة إلى استراتيجيات شاملة لمكافحة التمويل، لا تقتصر على الملاحقة فقط، بل تمتد لتجفيف منابع الاقتصاد الإجرامي، ومعالجة الأسباب التنموية والاجتماعية التي تُغذي شرعية هذه الشبكات وتُديم وجودها.
الجبايات القسرية والاختطاف مقابل الفدية
تعتمد جماعات عديدة على فرض ضرائب قسرية على السكان المحليين والتجار في المناطق التي تسيطر عليها، بما يشبه أنظمة الجباية الرسمية للدول، لكن خارج الأطر القانونية والمؤسسية(باهي، 2021، 85).
ويُعد الاختطاف مقابل الفدية مصدرًا رئيسًا آخر للتمويل، خصوصًا لدى جماعات مثل بوكو حرام وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مناطق الفراغ الأمني، حيث يصعب على الدولة توفير الحماية الفعّالةUNSC, 2022,25)).
تُشير هذه الممارسات إلى تحول بنيوي نحو ما يُعرف بـ الحوكمة المتمردة (Rebel Governance)، حيث تعمد الجماعات المسلحة إلى فرض الجباية القسرية لمحاكاة وظائف الدولة في المناطق المهمشة وغير الآمنة. ويأتي الاختطاف مقابل الفدية كأداة اقتصادية، تحول عجز الدولة عن توفير الحماية إلى فرصة ربحية تُستنزف من خلالها المدخرات المحلية وتُدمر الرأسمال الاجتماعي. إن هذا الاعتماد على الابتزاز والضرائب غير القانونية لا يمول العمليات العسكرية فحسب، بل يخلق بيئة طاردة للنشاط الاقتصادي الرسمي، مما يدفع السكان نحو الفقر المدقع ويعيد تدوير الأزمة عبر تحويل الانضمام لهذه الجماعات إلى خيار اقتصادي وحيد للبقاء، وهو ما يعزز في النهاية من قدرة هذه التنظيمات على تشكيل نطاقات مستقلة مالياً وأمنياً بعيداً عن سيطرة الدولة المركزية.
رابعاً: دراسات حالة: الجماعات الإرهابية واقتصادات التمويل في إفريقيا
بوكو حرام (نيجيريا وحوض بحيرة تشاد)
تمثل جماعة بوكو حرام نموذجاً صريحاً لاقتصادات العنف القائمة على الابتزاز المباشر. تعتمد الجماعة على فرض “ضرائب” غير قانونية على السكان والتجار في المناطق الريفية والنائية، حيث تغيب الحماية الحكومية الفعالة. كما يشكل الاختطاف مقابل الفدية مصدراً رئيسياً للدخل، لا سيما في البيئات الهشة التي يصعب فيها إنفاذ القانون.
التحليل
يُظهر نموذج بوكو حرام تحولاً جذرياً من جماعة ذات خطاب ديني إلى “مشغل اقتصادي” يعيد إنتاج العنف بوصفه مورداً منتظماً. فالاعتماد على الاختطاف والجبايات لم يعد مجرد وسيلة تمويل، بل تحول إلى نظام متكامل لإخضاع السكان المحليين وخلق اقتصاد موازٍ يضعف قبضة الدولة. هذا التحول يفسر استمرار الجماعة رغم الحملات العسكرية المتعددة؛ إذ أن تفكيكها يعني انهيار شبكة معيشة واسعة استفادت منها شرائح من المجتمعات المحلية، ما يمنح الجماعة شرعية وظيفية يصعب تجاوزها بالقوة وحدها.
تنظيم القاعدة في الساحل الإفريقي (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين)
تعتمد الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في الساحل على السيطرة غير المباشرة على الأنشطة الاقتصادية، لا سيما التعدين التقليدي للذهب وطرق التهريب العابرة للحدود. تفرض هذه الجماعات رسوماً على عمليات الاستخراج والنقل، ما يخلق نظام جباية موازٍ للدولة دون حاجة إلى إدارة مباشرة لمواقع الإنتاج.
التحليل
تتميز استراتيجية هذه الجماعات بـالاقتصاد غير المباشر؛ فهي لا تدير مناجم الذهب بشكل مباشر، بل تفرض “ضرائب السيادة” على المستخرجين والتجار مقابل حماية غير رسمية. هذا النموذج يتطلب حضوراً أمنياً أقل وتكلفة سياسية أدنى، مع تحقيق عوائد مستقرة. كما يعكس تحولاً في فلسفة التمويل: من الاعتماد على المتبرعين الخارجيين إلى الاستثمار في اقتصاد الظل المحلي، مما يجعل الجماعة أقل عرضة للعقوبات المالية الدولية وأكثر اندماجاً في النسيج الاقتصادي الإقليمي. وهي بذلك تكرس سيادة وظيفية تنافس سيادة الدولة القانونية.
تنظيم داعش في إفريقيا (الساحل وشرق الكونغو)
تشير الدراسة إلى أن الجماعات المرتبطة بتنظيم داعش تعتمد بصورة متزايدة على الموارد الطبيعية عالية القيمة، خاصة الذهب والمعادن النفيسة. في الساحل الإفريقي، تسيطر هذه الجماعات على مواقع تعدين تقليدي وتدمجها ضمن شبكات تهريب إقليمية. وفي شرق الكونغو الديمقراطية، تستغل الجماعات المسلحة مناجم الكولتان والذهب ضمن شبكات معقدة تتداخل فيها مصالح فاعلين محليين وإقليميين، إضافة إلى شركات عابرة للحدود.
التحليل
يكشف نموذج داعش في إفريقيا عن أشد صور “عولمة اقتصاد العنف” تطرفاً؛ فالجماعة لا تكتفي بالسيطرة على الموارد، بل تدمجها في سلاسل توريد إقليمية ودولية معقدة. الذهب المستخرج من مواقع التعدين التقليدي لا يموّل العمليات المحلية فحسب، بل يُهرّب عبر شبكات تمتد إلى أسواق عالمية، حيث يُعاد تدويره ودمجه في النظام المالي الرسمي. هذا التداخل بين المحلي والعالمي يحوّل مكافحة تمويل الجماعة من مهمة أمنية إلى تحدٍّ يتعلق بحوكمة سلاسل القيمة الدولية. كما يمنح هذا النموذج الجماعة قدرة عالية على المناورة، إذ يصبح فك ارتباط عائدات التهريب بالنشاط الإرهابي مهمة استخباراتية بالغة التعقيد.
الحالة السودانية (اقتصاد الذهب والصراع المسلح)
في الحالة السودانية، تحول الذهب إلى شريان تمويل حاسم في الحرب الأهلية. تقوم شبكات تهريب تعمل مباشرة تحت إدارة وتوجيه قوات الدعم السريع المتمردة بتغذية العمليات العسكرية، بما في ذلك توفير السلاح واستجلاب المرتزقة عبر الحدود. وسعت هذه القوات نطاق سيطرتها ليشمل مناطق تعدين الذهب في دارفور، مستفيدة من علاقاتها الإقليمية والدولية لتحريك هذا الاقتصاد غير المشروع. ومكّنت العائدات الضخمة من هذا المورد الاستراتيجي قوات الدعم السريع من تدعيم قدراتها بشكل كبير، لمواصلة حربها على الدولة.
التحليل
تتميز الحالة السودانية بكون التمويل هنا ليس مجرد نشاط موازٍ للدولة، بل أداة حرب تستخدمها قوات شبه حكومية ضد الدولة ذاتها. فالذهب لم يعد وقوداً للنزاع فحسب، بل أصبح الغاية منه؛ إذ تكرس شبكات التهريب التي تديرها قوات الدعم السريع “اقتصاد حرب” متكاملاً تستدام به العمليات العسكرية وتُشترى به الولاءات. هذه الحالة تكشف عن وجه آخر لاقتصادات العنف: حين تتحول مؤسسات الدولة نفسها إلى جهات فاعلة في اقتصاد الحرب، وتستغل سيطرتها على الموارد لتعزيز نفوذها الموازي. وهي أخطر صور تمويل الصراع، لأنها تفرغ الدولة من سلطتها السيادية من داخلها.
الجدول أدناه يوضح تحليلاً لحالة الجماعات الإرهابية في بعض مناطق افريقيا واقتصادات تمويلها.

جدول رقم(1): تحليل مقارن لحالة الجماعات الإرهابية واقتصادات التمويل في إفريقيا

الحالة/الجماعة
النطاق الجغرافي
مصادر التمويل
آليات التمويل
العلاقة بالدولة
النطاق العابر للحدود
الدلالة التحليلية

بوكوحرام
نيجيريا وحوض بحيرة تشاد
– الجبايات القسرية
– الاختطاف مقابل الفدية
– فرض ضرائب غير قانونية على السكان والتجار
– عمليات اختطاف منظم
مواجهة صريحة
محدود
تحوّل الجماعة إلى فاعل اقتصادي محلي يستثمر في انعدام الأمن لضمان الاستدامة المالية

تنظيم القاعدة في الساحل
(جماعة نصرة الإسلام والمسلمين)
الساحل الإفريقي
– التعدين التقليدي للذهب
– التهريب العابر للحدود
– فرض رسوم على الاستخراج والنقل
– السيطرة غير المباشرة على المسارات التجارية
تنافس وظيفي
إقليمي
اندماج في الاقتصاد المحلي مع تحقيق عوائد مستقرة دون إدارة مباشر

تنظيم داعش في إفريقيا
الساحل وشرق الكونغو الديمقراطية
– الذهب
– الكولتان
– المعادن النفيسة
– السيطرة على مواقع التعدين التقليدي
– الدمج في شبكات تهريب إقليمية ودولية
تحد للسيادة
عابر للقارات
تحويل الثروات الطبيعية من أداة للتنمية إلى دافع مركزي لتمويل وإطالة أمد الصراع

الحالة السودانية
(قوات الدعم السريع)
السودان
– الذهب
– شركات التهريب
– تهريب منظم خارج الأطر الرسمية
– استغلال ضعف الرقابة الحدودية
انقلاب وتمرد عسكري على الدولة من الداخل
إقليمي دولي
تداخل بنيوي بين تمويل الإرهاب واقتصاد الحرب وغسل الأموال

المصدر: اعداد الباحثين
تحول في المفهوم: نحو نموذج تمويلي جديد
يؤكد التحليل المقارن أن الجماعات الإرهابية في إفريقيا لم تعد كيانات أيديولوجية تموّل من الخارج، ‏بل فواعل اقتصادية متجذرة محلياً، تمتلك قدرة على استثمار البيئة الهشة وتحويل مواردها إلى وقود ‏للصراع. هذا التحول يحمل دلالتين رئيسيتين:‏
أولاً: لم يعد تمويل الإرهاب مجرد نشاط داعم للعمليات العسكرية، بل أصبح عنصراً بنيوياً في إعادة ‏إنتاج النزاع ذاته. فالجماعات لم تعد تقاتل لتحقيق أهداف سياسية فقط، بل للبقاء في الحرب ذاتها، ‏لأنها باتت تستمد شرعيتها ومواردها من استمرار حالة اللادولة.‏
ثانياً: تنوع نماذج التمويل بين الابتزاز المباشر، والجباية غير المباشرة، والدمج في سلاسل القيمة ‏العالمية، والاستيلاء على موارد الدولة، يستدعي تنوعاً مماثلاً في استراتيجيات المواجهة. فلا يمكن ‏مواجهة نموذج داعش العابر للحدود بأدوات محلية، ولا مواجهة نموذج الدعم السريع المنفلت من ‏الدولة بمعالجات أمنية تقليدية.‏
يوضح التحول من النموذج التقليدي الذي ركز على التمويل الخارجي، إلى فهم جديد يؤكد على الطبيعة المحلية لتمويل الجماعات، مع اعتمادها على الموارد الطبيعية والاقتصاد غير الرسمي وتحولها إلى أنظمة اقتصادية موازية وتداخلها مع الجريمة المنظمة.
الضعف المؤسسي: الفجوة بين الطموح والتنفيذ
في السياقات الإقليمية محل الدراسة، ولا سيما في الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي، يبرز التباين بين الطموحات المعلنة للتجمعات الإقليمية، مثل الإيكواس والإيغاد، وبين قدرتها الفعلية على التأثير في شبكات تمويل الجماعات المسلحة. فعلى الرغم من تبنّي هذه الأطر استراتيجيات مشتركة لمكافحة الإرهاب، إلا أن محدودية الموارد، وتفاوت التزام الدول الأعضاء، وتداخل النزاعات المحلية، قلّصت من فعاليتها التنفيذية. ونتيجة لذلك، استمرت شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي في العمل عبر الحدود ا، مستفيدة من ضعف التنسيق الأمني والمالي( .(ECOWAS 2020, IGAD 2021, UN 2022
في السياقات الإقليمية محل الدراسة، يبرز الواقع الميداني مفارقة واضحة في إدارة التهديدات، فكلما تطورت الاستراتيجيات المؤسسية للأطر الإقليمية (كالإيكواس والإيغاد)، ازدادت مرونة وتشعب الشبكات غير الرسمية التي تستهدفها. تؤدي هذه المفارقة الواضحة الى صعوبة القضاء على تمويل هذه الجماعات ويعود ذلك الى الأسباب الآتية:
ضعف إمكانات التنفيذ (مورديًا وبشريًا).
الفجوة بين المنظور الأمني المركزي لهذه الأطر والجذور الاجتماعية-الاقتصادية المحلية للنزاع.
تداخل مصالح نخب محلية نافذة مع شبكات التهريب العابرة للحدود، مما يقوض الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة هذه الاقتصادات. فيتغذى طرفا المعادلة بعضهما من بعض: فضعف الحوكمة الرسمية يمنح الاقتصاد غير الرسمي حيوية متزايدة، وازدهار هذا الأخير يعمق بدوره هشاشة المؤسسات الرسمية.
خامساً: البنية الشبكية لتمويل الإرهاب
لا يعمل تمويل الإرهاب عبر قنوات خطية بسيطة، بل من خلال شبكات مرنة ومتعددة المستويات تربط بين الجماعات المسلحة ووسطاء محليين وفاعلين في الجريمة المنظمة ومؤسسات مالية رسمية وغير رسمية.(FATF, 2022, 30) وتشير تقارير متخصصة إلى أن اللامركزية المالية وتعدد الوسطاء غير المصنفين إرهابيًا يشكّلان أحد أهم عناصر صمود هذه الشبكات، خاصة في الساحل الإفريقي حيث تُدار عائدات الذهب والتهريب عبر حلقات غير مباشرة يصعب ربطها قانونيًا بالجماعات.(FATF, 2022, 32)
تشهد عمليات تمويل الإرهاب تحولاً استراتيجياً عميقاً في بنيتها، ينتقل بها من نماذج خطية تقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ”شبكات هجينة مرنة”. تعمل هذه الشبكات من خلال آليات معقدة تستغل “وسطاء رماديين” – كيانات تبدو قانونية في ظاهرها – لتشغيل دروع حماية تفصل بين الأنشطة الإجرامية المصدرة للأموال وبين الجماعات الإرهابية المستفيدة منها. وتتجلى قوة هذه المنظومة في طابعها المالي اللامركزي، الذي يظهر بوضوح في قطاع الذهب عبر الساحل الأفريقي، حيث تُطمس معالم التدفقات النقدية عبر سلاسل إمداد معقدة وغير مباشرة تدمج الاقتصاد الإجرامي بالنظام الاقتصادي الرسمي.
هذا التعقيد الهيكلي يحوّل عملية المكافحة من مهمة تقنية تقتصر على تتبع الحسابات المصرفية، إلى مواجهة شاملة مع “نظام بيئي مالي متكامل” للإرهاب. يعتمد هذا النظام على التمويه عبر سلع عابرة للحدود ووسطاء متخفين، مما يجعل عملية فك الارتباط بين العائدات المادية المحققة والنشاط الإرهابي تحدياً قانونياً وأمنياً بالغ التعقيد. ويستلزم التصدي الفعال له تطوير أدوات استخباراتية مالية متقدمة، تتجاوز في تصميمها ونطاق عملها المعايير التقليدية للرقابة المالية.
كما تسهم أدوات الدفع غير الرسمية، مثل الحوالات التقليدية وأسواق الصرف غير المنظمة، في إخفاء مسارات التدفقات المالية وتقليل فعالية أنظمة تتبع الأموال(باهي، 2021، 92). ويعود ذلك إلى أن هذه النظم المالية الموازية تُحدث حالة من العمى الرقابي الذي يعطل عمل أجهزة المكافحة، حيث توفر الحوالات والأسواق غير المنظمة مستوى من الإخفاء يمكن من التهرب من المراقبة. تعتمد هذه الآلية على العلاقات الشخصية والثقة بدلاً من التوثيق الرسمي، مما يُضعف القدرة على تتبع الأثر الرقمي المالي.
تكمن خطورة هذه الأدوات في الازدواجية الوظيفية التي تتمتع بها: فهي من ناحية قنوات دفع شعبية مشروعة وعميقة الجذور في الحياة الاقتصادية اليومية، ومن ناحية أخرى تُستغل كشرايين خفية لتمويل الأنشطة غير المشروعة وتحويل عائداتها. هذا الخليط يجعل التمييز بين الاستخدام الشرعي وغير الشرعي تحديًا استخباراتيًا محضًا يتطلب قدرات تتجاوز الرقابة المالية التقليدية.
نتيجة لذلك، تتحول هذه الوسائط إلى ملاذات تمويل آمنة للجماعات الإرهابية المسلحة، تمنحها قدرة عالية على تشكيل سيولة عابرة للحدود بعيدًا عن أنظمة الامتثال المالي وإجراءات “اعرف عميلك”. وهذا الواقع يؤدي في النهاية إلى تقويض جزئي لسيادة الدولة النقدية ويُضعف فعالية منظومة العقوبات المالية الدولية، حيث تبقى التدفقات الحرجة قادرة على المرور دون كشف.
سادساً: البعد الاجتماعي المحلي لاقتصادات التمويل
في سياقات الفقر والتهميش وغياب الخدمات الأساسية، تصبح الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالجماعات المسلحة – من تعدين غير رسمي، أو تهريب، أو جبايات – مصدر دخل لبعض الفئات المحلية(مركز دراسات الوحدة العربية، 2020، 70). وتُظهر دراسات ميدانية أن قطاعات من المجتمعات تنظر إلى هذه الجماعات بوصفها مزودًا للخدمات وفرصة عمل في ظل غياب الدولة، ما يفضي إلى نوع من «الشرعنة الاقتصادية» للعنف (مركز دراسات الوحدة العربية، 2020، 72 ).
هذا الاندماج بين البقاء الاقتصادي والسلوك العنيف يحد من فاعلية المقاربات الأمنية البحتة، لأنه يجعل تكلفة الانفصال عن الجماعات مرتفعة اجتماعيًا واقتصاديًا (مركز الجزيرة للدراسات، 2021، 42). يفسر هذا الاندماج فشل المقاربات الأمنيّة التقليديّة في مناطق مثل الساحل أو الصومال، إذ يصبح الانفصال عن الجماعات (مثل بوكو حرام أو الشباب) خسارة رزق يوميٍّ وليس مجرّد ولاء أيديولوجيٍّ، مما يستدعي استراتيجيّات مكافحة إرهاب متعدِّدة المستويات تجمع بين البدائل الاقتصاديّة الفوريّة (برامج التشغيل الموسميِّ في التعدين) وإصلاحات الدولة لاستعادة شرعيّتها كمزوِّد خدمات، فالإرهاب هنا ليس مرضًا يُعالَج بالعنف وحده، بل نظام بقاء يحتاج تفكيكًا جذريًّا لجذوره الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
سابعاً: تقييم السياسات الدولية والإقليمية القائمة في مكافحة تمويل الإرهاب
يكتسب البعد الإقليمي أهمية خاصة في تحليل اقتصادات تمويل الإرهاب في إفريقيا، نظرًا للطابع العابر للحدود لهذه الأنشطة، والذي يتجاوز القدرات الرقابية للدول منفردة. فتتسم هذه الاقتصادات بسلاسل توريد معقدة تمتد من لحظة استخراج الموارد غير القانونية—كالذهب والمعادن—مرورًا بتهريبها عبر شبكات إقليمية ودولية، ووصولاً إلى “إعادة تدوير” عائداتها ودمجها في الأنظمة المالية الرسمية للمراكز العالمية، مما يفضح تكاملاً مقلوباً بين اقتصاد النزاع غير الرسمي في هامش العالم والقلب المالي للعولمةFATF, 2022, 38; UNSC, 2022, 30)).
ورغم وجود أطر مؤسسية إقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية (الإيكواس، الإيغاد)، فإن فجوة واضحة ما تزال قائمة بين طبيعة التهديدات الشبكية العابرة للحدود، وبين أدوات الاستجابة التي تظل في معظمها محكومة بمنطق السيادة الوطنية. ويُسهم هذا الخلل البنيوي في إتاحة مساحات مناورة واسعة للشبكات غير المشروعة، بما يعزز قدرتها على الاستمرار والتكيف.(AU 2020, WB, 2019, FATF 2023, ECOWAS 2020, IGAD 2021)
ولا تقتصر تداعيات هذه الاقتصادات على حدود الدول المنكوبة بالنزاعات، بل تمتد لتؤثّر في منظومات الأمن الإقليمي والدولي؛ إذ يسهم استمرارها في تكريس حالة عدم الاستقرار في أقاليم حيوية (كالساحل، والقرن الإفريقي، وحوض بحيرة تشاد)، بما ينعكس على ملفات الهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر، والقرصنة البحرية، وتهديد طرق التجارة الدولية (FATF, 2022, 42, UNSC, 2022, 40, UNODC, 2013, 35)، وهنا تبرز وظيفة مزدوجة لاقتصادات الإرهاب: فهي تموّل العنف من جهة، وتُسهم في خلق بيئات هشّة تُغذّي بدورها أنشطة إجرامية عابرة للحدود من جهة أخرى.
يكشف التحليل أيضاً أن ضعف تطبيق معايير العناية الواجبة (مثل “اعرف عميلك”) في سلاسل توريد المعادن ونقاط العبور الدولية، إضافة إلى التباين الكبير في القدرات الرقابية بين الدول الأفريقية، يُشكلان معاً “ثغرات تنظيمية جغرافية” تستغلها الشبكات الإجرامية بفعالية؛ لتحوّل عدم التجانس في الحوكمة المحلية إلى ممرات آمنة لتمويل العنف (UNODC, 2013, 28, FATF, 2022, 38, UNSC, 2022, 30). وبذلك، لا يُظهر التحليل عولمة ظاهرة التمويل فحسب، بل يكشف عن اعتمادها الهيكلي على ثغرات في النظامين التجاري والمالي العالميين.
يزداد المشهد تعقيداً بإضافة البعد الجيوسياسي؛ إذ يفتح الطابع الشبكي العابر للقارات لهذه الاقتصادات المجال أمام توظيفها—أو على الأقل غضّ الطرف عنها—ضمن منافسات جيوسياسية بين قوى إقليمية ودولية تبحث عن النفوذ في القارة. هذا الواقع يفرغ الأطر الدولية من فعاليتها، ويجعل معالجة الجذور الاقتصادية للإرهاب رهناً بتوافقات سياسية أوسع. فغياب التوافق السياسي يُعد من أهم أسباب تعثر الجهود الجماعية، ويؤدي إلى ازدواجية المعايير في التعامل مع شبكات التمويل، حيث تتحول في بعض السياقات من هدف مشترك إلى أدوات ضغط أو أوراق تفاوض غير معلنة، مما يُفرغ الأطر الدولية والإقليمية من فعاليتها ويجعل معالجة الجذور الاقتصادية للإرهاب مسألة شديدة التعقيد (مركز الجزيرة للدراسات، 2021، 55).
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية لاقتصادات تمويل الإرهاب في إفريقيا
سيناريو استمرار الوضع القائم
يستند هذا السيناريو إلى افتراض استمرار النزاعات المنخفضة الحدة في المنطقة، حيث يبقى الاقتصاد غير الرسمي والموارد الطبيعية غير المنظمة الشريان الرئيسي لتمويل الجماعات المسلحة. ويُفضي هذا الوضع إلى إطالة أمد الصراعات بشكل مزمن، وإلى تعقيد مسارات الحلول السياسية وتعطيلها، إذ توفر هذه التدفقات المالية غير الخاضعة للرقابة حافزاً قوياً لاستمرار العنف وترسيخ وجود الجماعات. وتعزز هذه الرؤية دراسة أصدرها البنك الدولي (تقرير التنمية الدولية لعام 2011)، أشارت إلى أن الاعتماد على الموارد غير المشروعة في الصراعات الممتدة غالباً ما يُنتج “اقتصادات حرب دون الحاجة الى دعم خارجيً، تُعيق عملية بناء السلام وتقوّض محاولات إرساء الاستقرار المؤسسي على المدى الطويل.
سيناريو تصاعد اقتصادات التمويل
يفترض هذا السيناريو تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع، حيث يتحول التوسع الجغرافي للنزاعات إلى تأسيس كيانات سياسية-اقتصادية موازية. في هذا الإطار، لا تكتفي الجماعات المسلحة بالهيمنة الأمنية، بل تتحول إلى فاعلين اقتصادات مهيمنين، تسيطر على سلاسل القيمة للموارد (كالذهب والتهريب) وتفرض أنظمة ضريبية وعقابية خاصة بها. النتيجة النهائية هي تآكل مضاعف: تآكل سيادة الدولة على حدودها ومواردها، وتكريس أنماط حكم موازية تستند إلى اقتصاد العنف وتقديم خدمات قسرية.
يؤيد هذا المسار تحذيرات وملاحظات مجموعة العمل المالي المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في أفريقيا جنوب الصحراء في تقريرها للعام 2022، والذي لاحظ تحولاً خطيراً في بنية التمويل، حيث لم تعد الجماعات تمول العمليات فقط، بل تمول مشاريع الحكم والسيطرة الطويلة الأمد، مما يجعل مواجهتها تتطلب أكثر من العمليات العسكرية، بل إستراتيجيات لاستعادة السيادة الاقتصادية أولاً.
سيناريو الاحتواء والإصلاح
يرتكز هذا السيناريو على فرضية نجاح التدخلات الاستراتيجية في ثلاث جبهات رئيسية: أولاً، تنظيم قطاع الموارد الطبيعية ووضع حدّاً لاستغلالها غير المشروع. ثانياً، دمج شرائح واسعة من الاقتصاد غير الرسمي والمعتم في النظام الاقتصادي الرسمي الخاضع للرقابة. وثالثاً، تعزيز الشفافية وبناء قدرات رقابية حقيقية على التدفقات المالية المحلية والعابرة للحدود.
ويستمد هذا المسار الذي يمكن وصفه بالتفاؤلي سنده التحليلي من تقارير دولية مثل تقرير مجلس الأمن الدولي حول تمويل الإرهاب في إفريقيا للعام 2022، والذي أشار إلى أن تضييق الخناق المالي على الجماعات المسلحة يمر حتماً عبر معالجة الثغرات الهيكلية في الاقتصاد والحوكمة. إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يعتمد على السياسات التقنية فحسب، بل يتطلب توافر إرادة سياسية محلية حقيقية لتطبيق الإصلاحات، ودعمًا دوليًا ذكيًا يوازن بين الدعم الأمني العاجل والاستثمار التنموي طويل الأمد الذي يعالج الأسباب الجذرية للتطرف، إضافة إلى مشاركة مجتمعية نشطة في تصميم وتنفيذ الحلول لضمان استدامتها وشرعيتها.
تاسعاً: النتائج والتوصيات
تؤكد نتائج هذه الدراسة على أن ظاهرة تمويل الإرهاب في المناطق الإفريقية المنكوبة بالنزاعات قد تحولت من اعتماد تقليدي على التمويل الخارجي إلى منظومة اقتصادية محلية معقدة وذاتية التعزيز. وتكشف الدراسة أن الجماعات الإرهابية تمكنت من بناء اقتصادات عنف قائمة على ثلاثة محاور رئيسية: السيطرة على الموارد الطبيعية (وخاصة الذهب والمعادن)، والاندماج في شبكات الاقتصاد غير المشروع والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وفرض أنظمة جباية قسرية على المجتمعات المحلية. وقد أدى هذا التحول إلى جعل استمرارية هذه الجماعات مرتبطة عضوياً باستدامة النزاع نفسه، مما يقوض سيادة الدولة ويعقد مسارات التسوية السياسية، حيث تصبح الحرب مصدراً للربح والنفوذ.
بناءً على هذه النتائج، توصي الدراسة بالآتي:
على المستوى الوطني
إصلاح إدارة الموارد الطبيعية
في مناطق النزاع الغنية بالمعادن مثل الذهب، ينبغي تقنين التعدين التقليدي عبر ترخيص منظم للعمالة المحلية، مع فرض رقابة صارمة على الفساد، وربط العوائد المباشرة بمشاريع تنمية محلية ملموسة كالبنية التحتية والخدمات، مما يحول هذه القطاعات من مصادر تمويل للإرهاب إلى دعائم للاستقرار.
دمج الاقتصاد غير الرسمي
بدلاً من المقاربات العقابية القاسية، يُفضَّل تدريجي دمج الاقتصاد غير الرسمي في النظام الرسمي عبر حوافز ضريبية مجزية لبداية الترخيص، وإطار تنظيمي مرن يشجِّع التحوُّل دون صدمات، فالتهريب والجبايات تزدهر في الفراغات التنظيمية لا بسبب الشر.
تعزيز الشفافية والقدرات المالية
يجب بناء قدرات وحدات الاستخبارات المالية وأجهزة الرقابة في القطاعات بالغة التهديد (مثل المعادن والحوالات) عبر برامج تدريب مشتركة مع الشركاء الدوليين، مع تطبيق معايير الشفافية العالمية كـ”اعرف عميلك”، لسدِّ الثغرات العابرة للحدود التي تغذِّي اقتصادات الإرهاب.
على المستوى الإقليمي
العمل على تعزيز التكامل والتنسيق بين السياسات الحدودية للدول في أقاليم الساحل ووسط إفريقيا والقرن الإفريقي، مع التركيز على إنشاء منصات مشتركة لتبادل البيانات الاستخباراتية حول تحركات شبكات التهريب وعمل الوسطاء الماليين غير النظاميين. وهذا يتطلب تفعيل اتفاقيات ثنائية وإقليمية قائمة وتطوير أنظمة معلومات موحدة تسمح برصد التدفقات غير المشروعة عبر الحدود في الوقت الفعلي.
تفعيل الأطر المؤسسية القائمة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي والتجمعات الإقليمية، مثل اللجنة الأفريقية لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، من خلال تزويدها بالموارد الكافية والصلاحيات اللازمة للرصد والتدخل. كما ينبغي إنشاء آليات مستقلة للمتابعة والتقييم الدوري لفعالية البرامج والسياسات المنفذة، على أن تُنشر نتائجها علناً لضمان الشفافية وتحسين المساءلة.
تطوير آلية تعاون إقليمية لتعزيز رصد الحدود ومكافحة التدفقات غير المشروعة عبر توظيف التقنيات الجغرافية المكانية المتطورة. وذلك من خلال الخطوات التالية:
إنشاء منصة إقليمية للبيانات الجغرافية المكانية
تصميم نظام معلوماتي موحد يربط بين قواعد البيانات المكانية لدول الإقليم.
توحيد معايير جمع البيانات الجغرافية ومشاركتها عبر الحدود.
تعزيز البنية التحتية للرصد التقني المشترك
إنشاء شبكة من محطات الاستشعار الأرضية والفضائية المشتركة.
تطوير نماذج ذكاء اصطناعي لتحليل الصور الجوية والفضائية لاكتشاف أنماط التحركات المشبوهة.
تصميم خرائط تفاعلية مشتركة تُحدّث آنياً وتُظهر نقاط المراقبة والتحركات عبر الحدود.
تطوير آليات التنسيق العملياتي
إنشاء غرفة عمليات مشتركة للتنسيق بين الدول في المراقبة الحدودية.
إنشاء نظام إنذار مبكر إقليمي يُفعّل تلقائياً عند اكتشاف أنشطة غير مشروعة عبر الحدود.
إصدار تقارير دورية مشتركة لتقييم فاعلية المنظومة وتحديث آليات العمل.
على المستوى الدولي
يتعين تشديد متطلبات الرقابة على سلاسل توريد المعادن والموارد الأولية المستخرجة من مناطق النزاع في إفريقيا، مع ربط عمليات الاستيراد بأنظمة تحقق وتتبع دولية مستقلة ومحايدة. ويجب أن تشمل هذه الآليات إصدار شهادات مصدر واضحة، ومراجعة عمليات الاستخراج والتجارة، وتطبيق عقوبات رادعة على الشركات والجهات التي لا تلتزم بمعايير الشفافية وحظر تمويل النزاعات.
ينبغي إعادة توجيه جزء هام من المساعدات الدولية نحو بناء القدرات الاقتصادية والمؤسسية في الدول المتضررة، مع التركيز على تعزيز الحوكمة المحلية، ومكافحة الفساد الهيكلي، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية. ويتطلب ذلك تصميم برامج دعم تهدف إلى تمكين المؤسسات الوطنية وتطوير أطر قانونية فعالة، بحيث تُدمج الأبعاد التنموية والاقتصادية بشكل عضوي ضمن استراتيجيات مكافحة التطرف العنيف.‏‎
الخاتمة
يُظهر تحليل اقتصادات تمويل الإرهاب في إفريقيا تحولاً بنيوياً عميقاً، من ظاهرة أمنية تقليدية إلى منظومة اقتصادية معقدة ومتجذرة محلياً. وقد اتضح أن الجماعات المسلحة لم تعد مجرد كيانات تقاتل من أجل أهداف أيديولوجية أو سياسية مجردة، بل تحولت إلى فواعل اقتصادية قادرة على إدارة موارد محلية، وفرض أنظمة جباية بديلة، وخلق دوائر تمويل ذاتية التعزيز. وهذا التحول يجعل من مقاربتها عبر العدسات الأمنية أو المالية التقليدية مقاربة قاصرة، إذ تتجاهل البيئة الاقتصادية-الاجتماعية التي تنتج هذه الظاهرة وتُعيد إنتاجها.
ويبرز من خلال فصول الدراسة أن استمرارية هذه الجماعات ومرونتها تعتمدان بشكل رئيس على ثلاث ركائز مترابطة: هشاشة مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على الاحتكار الشرعي للعنف والموارد، واتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي والعابر للحدود الذي يوفر قنوات تمويل يصعب تعقبها، وتغلغل هذه الجماعات في النسيج الاجتماعي المحلي عبر تقديم خدمات وفرص كسب في ظل غياب البديل الحكومي. وهذا الثالوث يشكل نظاماً اقتصادياً موازياً له منطقه الداخلي ومصالحه الراسخة، ما يحوّل قطع التمويل إلى تحدٍ يتعلق بإعادة بناء العقد الاجتماعي والاقتصادي، وليس مجرد ملاحقة مالية أو عسكرية.
تخلص هذه الدراسة إلى أن مواجهة تمويل الإرهاب في إفريقيا لا يمكن اختزالها في أدوات أمنية أو رقابية فقط. فالخبرات الميدانية تشير إلى أن استدامة الحلول تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، خاصة في المناطق التي نجحت فيها الجماعات المسلحة في تقديم نفسها بديلاً عن مؤسسات الدولة. لهذا، فإن أي استراتيجية مستقبلية ينبغي أن تدمج البعد الأمني ضمن إطار أوسع للإصلاح الاقتصادي والمؤسسي، يعيد للموارد الطبيعية قيمتها التنموية، وللمواطن فرصته في العيش الكريم بعيداً عن اقتصادات الحرب.

مركز السودان لدراسات مكافحة الارهاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *