الأخبار

من مدرجات الإعلام إلى منصة القارة… طلاب وباحثون وإعلاميون يصوغون إفريقيا الجديدة في “أنا إفريقي.. أنا مصري”

القاهرة _ سيف البروف

في مشهد يعكس تحولات عميقة في الوعي الإفريقي المشترك، انطلقت بالعاصمة المصرية القاهرة فعاليات برنامج “أنا مصري.. أنا أفريقي“، بمشاركة واسعة تجاوزت 500 طالب وباحث وإعلامي، في واحدة من أبرز المبادرات الإعلامية التي تسعى لإعادة صياغة العلاقة بين الشعوب الإفريقية على أسس المعرفة والشراكة والهوية المشتركة.

البرنامج الذي تنظمه مبادرة “أفروميديا“ بالتعاون مع جامعة الأهرام الكندية، لم يكن مجرد فعالية أكاديمية، بل منصة حوار قاري مفتوحة، التقت فيها النخب الإعلامية والفكرية لتفكيك سرديات الماضي وبناء تصورات جديدة لمستقبل إفريقيا.

وشهدت الفعاليات حضوراً سودانياً لافتاً، عكس عمق التداخل بين مصر والسودان في المجال الإعلامي والثقافي، حيث شارك نخبة من الإعلاميين السودانيين، من بينهم الدكتور مجدي عبدالعزيز، الصحافية أمل أبوالقاسم، الصحافي المخضرم عمر كردفاني، الإعلامي محمد عبده، إلى جانب، عدد من أعضاء رابطة الصحافة الإلكترونية السودانية بمصر، في تأكيد واضح على الحضور السوداني الفاعل في قضايا القارة.

في الجلسة الافتتاحية، وضع الباحث الأنثروبولوجي حسن غزالي، مؤسس أفروميديا AfroMedia ، الإطار الفكري للمبادرة، مؤكداً أن المشروع انطلق منذ عام 2021 بهدف إعادة تقديم إفريقيا لشعوبها، وتسليط الضوء على دورها التاريخي في مقاومة الاستعمار، مع التركيز على تمكين الشباب الإفريقي بالمعرفة والتدريب الحديث لمواجهة التحديات الراهنة.

من جانبه، قدّم الدكتور محمد فايز فرحات، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، قراءة استراتيجية لموقع مصر داخل القارة، مشدداً على أن الهوية المصرية لا تنفصل عن بعدها الإفريقي والمتوسطي، وأن القاهرة أعادت خلال السنوات الأخيرة تموضعها في إفريقيا عبر شراكات قائمة على المصالح المشتركة، وتبني قضايا محورية مثل التغير المناخي والانخراط في تكتلات دولية كبرى.

أما الدكتور خالد حمدي، رئيس جامعة الأهرام الكندية، فاعتبر أن البرنامج يمثل امتداداً طبيعياً لتاريخ مصر كملتقى للحضارات، مؤكداً أن الهوية المصرية متعددة الأبعاد، وأن البعد الإفريقي يظل أحد أهم روافدها الاستراتيجية.

التكامل الإفريقي… من الفكر إلى الفعل

في الجلسة الأولى التي جاءت تحت عنوان “مصر والتكامل الإفريقي“، برز الدور الديني والتعليمي كأحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية في القارة، حيث أكدت الدكتورة نهلة الصعيدي، مستشار شيخ الأزهر، أن الأزهر الشريف يقود جهوداً واسعة لنشر قيم الوسطية ومواجهة التيارات المتطرفة، عبر شبكة ممتدة من المبعوثين والمؤسسات التعليمية التي تشمل عشرات الآلاف من الطلاب الأفارقة.

وعلى صعيد اخر لا يقل أهمية، سلطت المهندسة مروة خطاب الضوء على التحديات المائية التي تواجه مصر، مؤكدة أن الأمن المائي بات قضية وجودية في ظل الاعتماد شبه الكامل على نهر النيل، مشيرة إلى أن التعاون مع دول الحوض، وعلى رأسها السودان، يمثل حجر الزاوية في أي حلول مستقبلية مستدامة.

السياسة الخارجية… إفريقيا أولاً

الجلسة الثانية، التي تناولت “العلاقات الثنائية الإفريقية”، كشفت عن ملامح التحرك المصري في القارة، حيث أكد السفير محمد كريم شريف أن إفريقيا تحتل موقعاً متقدماً في أولويات السياسة الخارجية المصرية، في ظل تبني مفهوم “الاتزان الاستراتيجي” الذي يعزز من حضور مصر في محيطها الإفريقي.

وأشار إلى أن التحديات الأمنية والتنموية في القارة تفرض معادلة واضحة: “لا أمن بدون تنمية، ولا تنمية بدون أمن” مؤكداً أن مصر تعمل على دعم الاستقرار وبناء القدرات عبر أدوات متعددة، تشمل التعليم، والتعاون الاقتصادي، والمشروعات التنموية، إلى جانب تعزيز الحضور الثقافي.

كما تطرق إلى عدد من المشروعات الإقليمية الكبرى، مثل الربط البري ومشروعات حوض النيل، مؤكداً أن ضعف التبادل التجاري لا يعكس حجم الإمكانيات الحقيقية، في ظل استمرار تأثير النزاعات وعدم الاستقرار في بعض المناطق.

بناء الإنسان… الاستثمار الحقيقي

واختتمت فعاليات يوم الاول، بورشة عمل متخصصة حول “مهارات التفاوض”، قدمها الدكتور أحمد مختار، في تأكيد على أن بناء الإنسان الإفريقي وتأهيله بالمهارات الحديثة يمثل الركيزة الأساسية لأي مشروع نهضوي في القارة.

افرو ميديا – صوت مصر صوت أفريقيا

ما بين الطرح الأكاديمي والنقاشات السياسية والتدريب العملي، نجح برنامج “أنا مصري.. أنا أفريقي” في تقديم نموذج حي لمنصة إفريقية جامعة، تعيد الاعتبار للهوية المشتركة، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون العابر للحدود.

وفي قلب هذا المشهد، كان الحضور السوداني شاهدًا ومشاركًا، في لحظة تعكس إدراكًا متزايداً بأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معارك السياسة، وأن مستقبل إفريقيا لن يُصنع إلا بأيدي أبنائها… وبصوت إعلامها الحر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *