
كما أسلفت من قبل، فقد جرى تأمين خروجي من قلب المعارك عبر عملية خاصة أطلقت عليها القيادات العليا اسم «عين الصقر»، وقد سبق أن سردتُ تفاصيلها .
_منذ اندلاع الحرب، كنتُ على تواصلٍ مباشر مع قيادات الجيش، وكانوا على علم تام بأن عملي إنساني خالص، غايته خدمة المواطن عبر مواصلة عمل المسيد. هذا الأمر كان معلومًا للقيادات العليا، ممن هم فوق رتبة عميد، أما ما دون ذلك فقد جرى التكتم عليه حرصآ على سلامتي وسلامة من كانوا معي من المواطنين، وخشيةَ أي تسريب قد يكشف حقيقة الأمر، لأننا كنا أنذاك خارج نطاق التأمين.
ومع بداية تقدم المتحرك نحونا، بلغني أن بعض الضباط عقدوا العزم على قتلي وتدمير المسيد، وقد بلغ بهم الغضب والضغينة مبلغآ صُورت معه مقاطع تتضمن تهديدًا ووعيدًا صريحين.
#غير أن المفاجأة كانت عظيمة؛ فقبل ساعةٍ واحدة من الهجوم، صدرت تعليمات عليا صارمة بتأمين المسيد ومن فيه، وعدم التعرض لأي شخص، وتأمين خروجي وأسرتي بمهنية عالية والحمدلله الذي جاء في تنزيله:
﴿والله يعصمك من الناس﴾.
وخلال حديث جمعني بأحد الضباط ، أخبرني عما كان يظنه هو وزملاؤه؛ إذ كانوا يعتقدون ـ بفعل الإشاعات و(الايفاتيه_المؤلفاتية) أن المسيد معسكر للدعم السريع، وأنه يضم مخازن سلاح، وهاونات، وبدروم ذخيرة، بل وحتى مضادات طيران.
ثم صمت قليلآ وأردف:
لكننا حين وصلنا، وجدنا مضادات حيوية، ومخازن لمحاربة الجوع، وأسلحة من يقينٍ وصبر، ومخزونًا ضخم من الطمأنينة والانسانية صنعه شيخ الامين في المسيد.
وهنا تجلّت الحقيقة ناصعةً، مصداقًا لقوله تعالى :
﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾
_لقد كان المسيد وسيبقى ـ بيتآ للرحمة لا متراسًا للحرب، وملاذًا للضعفاء لا مخزنًا للرصاص، وميدانًا لإحياء القلوب لا لإزهاق الأرواح.
وقد مكثتُ عقب خروجي خمسة أيام في منزلٍ آمنٍ خُصِّص لذلك، أستعيد خلالها أنفاسي فقد كنت في دوام كامل حتئ ذالك الخروج،
وكما قال الامام الشافعي :
ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذرعًا.. وعندَ اللهِ منها المخرجُ.
_وفي غيابي، عبّر الناس عن قلقهم، وارتفع وسم #أين_الشيخ_الأمين، يتناقلونه بشغف وقلوبهم تترقب.
وبعد يومين، خرجت برسالة طمأنة للناس، شاكرًا للدولة حسن رعايتها واهتمامها.
في ذلك الوقت، كانت شبكات الاتصالات مقطوعة تمامًا في المنطقة، باستثناء الاتصال عبر “ستارلينك”، علمت لاحقآ ما يُقال:
منهم من يسأل، ومنهم من يفتري، ومنهم من ظن أنني معتقل!!
كنت احمل هم أبنائي الحيران المتسائلين عني، والمفتقدين وجودي والذين عدت اليهم في زيارة سريعه ليطمئنو.
ايضآ كما قلت من قبل، اتصل بي شقيقي مقترحًا أن أغادر إلى الخارج، خاصة بعد وصول الجيش إلى مواقع متقدمة والحمد لله.
لكن هل أترك هؤلاء الذين علّقوا آمالهم على وجودي؟
هؤلاء الذين احتموا بالمسيد، وشاركوا المحنة؟ لم تكن فكرة الرحيل واردة.
ورغم تقديري لآراء من حولي من أقرباء وأصدقاء في الخارج، إلا أن مقطعاً واحدًا اختصر كل شيء…
طفلة صغيرة من داخل المسيد، تتساءل بصوت مفعم بالخوف والرجاء: أين ابوي الشيخ؟
كان سؤالها أبسط من كل حديث مطول، لكنه صدح بما في قلوب الجميع.
عندها سكت داخلي كل رأي سمعته، وعاد الصوت الحقيقي لرسالتي.
_حينها أكّدت للقيادة في المنطقة رغبتي في العودة، فقد كنت على يقين أن مهمتي لم تكتمل بعد رغم صعوبة كل ما سبق.
_بلفعل عدت الئ المسيد والتقيت بأبنائي وضيوفي من أهلنا والأحباب المقيمين فيه الذين قد سبق وزرتهم ليطمئنو، كانت فرحتي بهم وفرحتهم بعودتي لاقيم بينهم في مسيدي كبيره جدآ.. فقد ألفنا المقام معًا في أصعب الأيام التي حملت بين طيّاتها الفرح والحزن، القلق والسكينة، في مواقف متعددة، حتى لحظة وصول الجيش وتحرير المنطقة.
_عدتُ لأُعيد ترتيب الأوضاع، وأملأ المخزن بعد أن أصبح الوضع أكثر يُسرًا، وأصبحنا نستطيع جلب كل ما نحتاج إليه من الثورة.
لكن ظلت هناك عقبتان أساسيتان: الماء والكهرباء.
_اولآ عودة الكهرباء بعد عام من الانقطاع:
أحد أبنائي الهميمين والمتميزين، وكان ذا خبرة عالية في الكهرباء، قام بعملٍ عظيم يُؤجر عليه، حيث وجهته لاعادة الكهرباء علئ الرغم من انه كانت معظم الأعمدة قد تقطعت اسلاكها وسقطت، فبذل جهدًا كبيرًا في إصلاح ما يلزم لعودة التيار، بعد أن وفرت له جميع المستلزمات.
رافقه عدد من أفراد شركة الكهرباء، وأعادوا توصيل الكهرباء من الثورة إلى بيت المال..
وكانت أول منطقة يصلها التيار، وكان يومًا مبهجًا بحق.
-ثانيآ إعادة تشغيل محطة مياه بيت المال:
زارنا في تلك الفترة السيد معتمد أم درمان السيد احمد حمزة داخل المسيد، فرفعنا إليه طلبًا لإعادة تشغيل محطة المياه.
وبالفعل، استجاب مشكورًا، وكان لا بد من مد خط كهرباء جديد لتشغيلها، فتم تمديده من الخط الرئيسي في المسيد حتى المحطة، وبحمد الله عادت للعمل.
_بعد ذلك، بدأ كثير من الناس في العودة إلى المنطقة، وكان المسيد بمثابة محلية مصغّرة ، يزورها كل من قصد المنطقة، ليُسلم ويطمئن على جيرانه وأحبائه، ثم يبدأ في العودة إلى منزله اوتفقده.
من الاحباب من ظل منهم مقيمًا معنا ومنهم من عاد لمنزله.
بعد ذالك بعدت أشهر صادف موسم الحج، فنوينا و بإذن الله سافرت قاصدًا بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج.
ولنا في المسيد بقية✒️











