
ثار جدل كثيف حول ما حدث للطائرة السعودية بمطار الخرطوم غداة اندلاع الحرب بالسودان في الخامس عشر من أبريل 2023 والتي زُعم ان جلّ ركابها قد توفوا جراء قصف مليشيا الدعم السريع الطائرة ، وان رفاة الضحايا ظلوا تحت حطام الطائرة إلى ان تم تحرير الخرطوم ومن ثم قامت السلطات بدفنهم بمقابر فاروق بالخرطوم .
هكذا كانت الرواية التي تم تداولها على نطاق واسع ، كون ان المصدر مدير مطار الخرطوم حيث ادلى للصحفيين الذين زاروا المطار ضمن رحلتهم للخرطوم مع وفد اتحاد الصحفيين بقيادة نائب رئيس الاتحاد .
وما ادهشي حقا ان التصريح يأتي من المسؤول الاول بالمطار ، بمعنى انه المصدر الاول ولن يكون مصدر شك ، او هكذا ينبغي، ولكن للأسف كل الذي ادلى به غير صحيح، وبينما أنا في غمرة دهشتي التي شككتني في حدث كنت جزء منه ، جاء نفي من سلطات الطيران المدني تدحض كل الذي ادلى به مدير مطار الخرطوم، وهنا تنفست الصعداء وقلت في نفسي (الحمدلله أنا بخير ولم يؤثر حادث الطائرة على ذهني!!).
وهنا أدلي بشهادتي للتاريخ ، أولا لتبرئة سلطات الطيران المدني وسلطات مطار الخرطوم التي أبلت بلاءً حسناً واستخدمت الحكمة والحنكة والخبرة لإجلاء ركاب الطائرة وطاقمها بسلام دون ان يصاب اي منهم بأذى حتى خرجوا سالمين من حرم المطار.
وثانيا لابد ان أوضح الحقائق قطعا للجدل الكثيف الذي يدور الآن حول تكذيب خبر سلطات الطيران المدني، وبالطبع البعض لم يشكك في الخبر ولكنهم محتارون أين تكمن الحقيقة لا سيما والخبر الاول جاء على لسان مدير مطار الخرطوم!!
الآن اروي ما حدث بالتفصيل للطائرة وركابها وانا منهم ..
وصلنا المطار(أنا واخواتي)الساعة سبعة صباحا يوم السبت 15/4/2023 ، ولم تظهر وقتذاك اي ارهاصات لوقوع كارثة الحرب، الهدوء يسود الطرقات ، وكل شئ على ما يرام داخل المطار ، اكملنا كل الإجراءات وانتظرنا قليلا إلى ان جاء وقت الذهاب إلى الطائرة.. ركبنا البص ثم صعدنا إلى الطائرة، من ثم ربطنا الأحزمة وقرأ المضيف دعاء السفر ايذانا بالاقلاع.. إلا أن شيئا حدث جعل الطائرة تتأخر عن الإقلاع مرت بضع دقائق، حدث هرج داخل الطائرة، رأينا رتل من العربات العسكرية تندفع بسرعة ، وسماع صوت مدافع يزداد رويدا، حاول ركاب الطائرة الخروج منها الا ان طاقم الطائرة يظل يطمئن الجميع ، “لا يوجد شئ يقلقكم” ثم يطلبوا من الجميع الهدوء والجلوس في اماكنهم..
ولكن بعض “الرايش ” أصاب الطائرة، بما جعل طاقم الطائرة يطلب من الركاب الخروج بسرعة فاندفع الجميع نحو مخارج الطوارئ ، والبعض اتجه نحو باب الطائرة وعبر بالسلم .
وظل طاقم الطائرة داخلها الى ان خرج آخر راكب من الطائرة وكان الموظفين بمطار الخرطوم يحثون الركاب على التحرك بسرعة وأن يدخلوا أقرب صالة ، وصل الجميع الصالة، ولم تمر عشر دقائق إلا وقد كانت الطائرة حطاما تشتعل بها النيران جراء قصف المليشيا لها.
ومن ثم توالت الضربات بعنف داخل المطار ،وظل الموظفون بالمطار يتابعون عن كثب أحوال الركاب وهم يتحولون من صالة إلى أخرى إلى أن استقر بعضهم بمسجد المطار، واخرون خرجوا من المطار ، ولكن القذائف ظلت تتطاير بكثافة بما جعل سلطات المطار تطلب من الركاب مغادرة المطار على وجه السرعة وابلغوهم ربما يحدث ضرب عبر الطيران بما يعرضهم للخطر، خرج الجميع من المطار بينما القذائف تشتد وأعمدة الدخان تتصاعد، الكل يهرب من الموت تجاه الموت ، فبعد خروجهم من حرم المطار واجهوا رتل من عربات مليشيا الدعم السريع تصطف بشارع المطار (شارع افريقيا) ومجموعة كبيرة من عناصر المليشيا مدججة بالسلاح ، البعض فقد وعيه من هول الموقف الصادم ، إلى أين يذهبون لا يدرون !!
أما أنا وأخواتي فقد ذهبنا راجلين حتى وصلنا حي العمارات شارع 17 حيث تخلو الطرقات من السيارات ، وسط كثافة من الأعيرة النارية، وقد تجاوزت الساعة الواحدة ظهرا في نهار رمضاني غائظ ، واصلنا المسير عبر ركشة استطعنا ان نقنع صاحبها بعد توسلات ورجاءات ، وصلنا منزل شقيقنا بشارع 53 العمارات ، وقد وجدناهم ينتظروننا على احر من الجمر، وقد اصابهم القلق والخوف على حياتنا وقد كانوا يتابعون ما حدث بالمطار.
هذا ما حدث بالضبط بكل تفاصيله، للطائرة وركابها الذين خرجوا سالمين بفضل العناية الإلهية وعناية واهتمام سلطات المطار ،فلم تحترق اجساد الركاب ولا يحزنون!!











