المقالات

تمنيات ودعوات في ذكرى الاستقلال المجيد.. د الصادق الهادي المهدي

مع إشراقة العام الجديد، نقف عند مفترق زمنين، نودّع عامًا رحل مثقلاً بالأوجاع، ونستقبل عامًا جديدًا بقلوب أنهكها التعب، لكنها ما زالت تتشبث بالأمل وبالثقة في الله. كان العام المنصرم من أقسى الأعوام على أهل السودان؛ عامًا ازدحمت فيه المآسي، وتكاثرت فيه الفواجع، وامتدت فيه رقعة الألم من بيتٍ إلى بيت، ومن مدينةٍ إلى قرية. شهدنا فيه دموع الأمهات، وفقد الأحبة، ورحيل زعماء وقادة ونزوح الأسر، وخراب البيوت، حتى بدا الوطن وكأنه يئن تحت ثقل الجراح وتكسر النصال فوق النصال.

ومع ذلك، لم ينكسر السودانيون. ففي قلب المعاناة، أظهر هذا الشعب معدنًا نادرًا من الصبر والتكافل والتشبث بالحياة. تقاسم الناس القليل، واحتضنوا بعضهم بعضًا في زمن القسوة، مؤمنين أن الوطن، مهما اشتدت عليه المحن، لا بد أن ينهض من جديد.
وقد قادت المساجد ودور العبادة هذا الصبر الأيوبي نثرت الامل في القلوب ودعت للقوات المسلحة السودانية بالنصر والمنعة باعتبارها المنافح الأول في وجه الاعتداءات وباعتبارها الصخرة التي ستتحطم عليها المؤامرات.

ويأتي العام الجديد متزامنًا كالعادة مع ذكرى عيد الاستقلال المجيد، تلك اللحظة الخالدة التي تجسدت فيها أعظم صور وحدة السودانيين. يومها، توحدت الإرادة، وتلاشت الفوارق، واجتمع أهل السودان على كلمة سواء وهدف أسمى وهو : وطن حر مستقل. لقد كان مشهد الاستقلال درسًا بليغًا في أن هذا البلد لا يُبنى إلا بوحدة أبنائه، وأن قوة السودان الحقيقية لم تكن يومًا في السلاح، بل في تماسك شعبه وإيمانه بمستقبله المشترك. ونستعيد صورة الامام عبد الرحمن وهو يزرف الدمع عند لحظة رفع علم الاستقلال وعزف النشيد الوطني نحن جند الله جند الوطن.
في ذلك اليوم التاريخي، امتزجت أصوات الشمال والجنوب، والشرق والغرب، والريف والمدينة، داخل البرلمان وخارجه، لتعلن ميلاد السودان الحر. لم يكن الاستقلال حدثًا عابرًا، بل رسالة ممتدة عبر الزمن، تقول لنا اليوم بوضوح: وحدة الشعب السوداني هي كلمة السر، وهي الجسر الذي نعبر به من المآسي إلى الاستقرار، ومن الحرب إلى السلام، ومن الشتات إلى الوطن.

ومع دخول عام جديد، لا نملك إلا أن نحلم بسودانٍ آمن، تعود فيه الطمأنينة إلى البيوت، ويعود النازحون إلى ديارهم، وتُفتح المدارس، وتنبض الأسواق بالحياة، ويعلو صوت العقل على ضجيج السلاح. نحلم بعام تُضمد فيه الجراح، وتُقدَّم فيه مصلحة الوطن على كل المصالح، ويجلس فيه السودانيون على مائدة الحوار، مؤمنين أن هذا الوطن يسع الجميع ويمكنه أن يُسعد الجميع ، وأن الاختلاف لا يعني الانقسام.

اللهم نتضرع اليك في هذا العام الجديد، أن توقف الحرب التي أنهكت البلاد والعباد، وأهلكت الزرع والضرع اللهم واربط على قلوب المفجوعين، واشفِ الجرحى، وارحم الشهداء، وأعد للسودان أمنه ووحدته وكرامته. وداعًا عامًا مضى بكل آلامه، وأهلًا بعام نرجوه أن يكون عام سلام وبدايات جديدة.

كل عام والسودان بخير،
وعيد استقلال مجيد،
وليكن العام القادم عامًا للوحدة، والسلام، وعودة الحياة إلى الوطن. وابدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *