ميلاد المسيح… معجزة إلهية ورسالة وعي في زمن الاضطراب بقلم: اللواء أركان حرب / أشرف فوزي الخبير الأمني والاستراتيجي

يمثل ميلاد السيد المسيح عليه السلام محطة فارقة في التاريخ الإنساني، ليس فقط باعتباره حدثًا دينيًا عظيمًا، بل بوصفه رسالة وعي متجددة جاءت لتؤسس لقيم السلام والرحمة والعدل، وهي قيم باتت اليوم أكثر إلحاحًا في عالم يموج بالصراعات والانقسامات.
لقد قدّم الإنجيل ميلاد المسيح كحدث يحمل بشارة سلام للعالم، حيث جاء في إنجيل لوقا:
«المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة»،
وهي رسالة لا يمكن فصلها عن فكرة الاستقرار المجتمعي، فغياب السلام الروحي والأخلاقي هو المدخل الأول للفوضى والصراع.
وفي ذات الإطار، تناول القرآن الكريم ميلاد المسيح عليه السلام بوصفه آية إلهية كبرى، تثبت أن القدرة الإلهية فوق كل الحسابات البشرية، قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾
(آل عمران: ٤٥)
ويؤكد القرآن أن هذا الميلاد لم يكن حدثًا خاصًا، بل رسالة عامة للإنسانية جمعاء، في قوله تعالى:
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾
(مريم: ٢١)
وهنا تتلاقى الرسالتان السماويتان على حقيقة جوهرية: أن الأديان جاءت لبناء الإنسان وحماية المجتمعات، لا لتفكيك الدول أو إشعال الصراعات. فحين يُساء توظيف الدين أو تُفرغ رسائله من مضمونها الأخلاقي، يصبح ذلك مدخلًا خطيرًا لزعزعة الاستقرار وإعادة إنتاج الفتن.
ومن منظور أمني واستراتيجي، فإن استدعاء معاني ميلاد المسيح اليوم يحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية، مفادها أن الأمن القومي لا ينفصل عن الأمن المجتمعي، وأن حماية الدولة تبدأ بتحصين الوعي العام ضد التطرف والكراهية وخطاب الانقسام. فالقوة الصلبة وحدها لا تكفي إذا لم تسندها منظومة قيم قادرة على توحيد الصف الوطني.
لقد أدركت الدولة المصرية، عبر تاريخها، أن التعايش الديني ليس شعارًا بل أحد أعمدة الاستقرار، وهو ما تجسد في احتضان أرضها للعائلة المقدسة، وفي نسيج وطني ظل صامدًا رغم محاولات العبث والاختراق. فمصر لم تكن يومًا ساحة لصراع ديني، بل كانت وستظل أرض رسالة وحضارة.
رسالة سياسية بعمق إنساني
إن ميلاد السيد المسيح عليه السلام يوجّه رسالة واضحة في هذا التوقيت الدقيق:
أن السلام ليس ضعفًا، بل اختيار استراتيجي،
وأن المحبة ليست خطابًا عاطفيًا، بل أداة وعي وبناء،
وأن وحدة المجتمعات هي خط الدفاع الأول عن الدول.
وفي عالم تتزايد فيه محاولات تفكيك الأوطان من الداخل، تبرز روح الميلاد كدعوة صريحة لإعادة الاعتبار للقيم الجامعة، ولترسيخ دولة المواطنة، وصون الهوية الوطنية بعيدًا عن أي توظيف ديني أو استقطاب حاد.
وستبقى مصر، بقوة تاريخها ووعي شعبها، قادرة على حماية تماسكها، وتقديم نموذج يؤكد أن الأديان السماوية كانت وستظل جسرًا للسلام، لا ساحة للصراع.
كل عام، ورسالة الوعي أقوى من خطاب الفتنة،
وكل عام، ومصر آمنة بوحدة أبنائها.











