
لقد كان شرفًا لي أن أتلقى دعوة كريمة للمشاركة في النسخة الاستثنائية الثالثة من “منتدى مصر للإعلام” لعام 2025، والذي انعقد تحت عنوان لافت ومحوري: “2030.. من سيستمر؟”. هذا العنوان بحد ذاته ليس مجرد تساؤل؛ بل هو إعلان عن أننا، كصناع محتوى وإعلاميين، نقف اليوم أمام نقطة تحول حاسمة تتطلب إعادة تقييم جذرية لدورنا ومستقبل صناعتنا.
وكما أشارت الأستاذة نهى النحاس، رئيس المنتدى، في كلمتها الافتتاحية، فإن هذه المرحلة الفارقة ستُبقي “فقط من يمكنه التطور”. هذا التحدي لا يقتصر على مجرد التكيف التكنولوجي، بل يمتد إلى جوهر الرسالة الإعلامية؛ هل المؤسسات الإعلامية قادرة على إنتاج محتوى هادف وجاذب في آن واحد؟
إن إعادة الصياغة الجذرية التي يشهدها المشهد الإعلامي بفعل التطورات التكنولوجية المتلاحقة، والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في صناعة الأخبار، يضع الإعلام التقليدي أمام تحدٍ وجودي. وكما حذرت السيدة ميليسا فليمنق، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون التواصل العالمي، فإننا في عصر الحروب والصراعات نواجه خطرًا مزدوجًا: تحريف الحقيقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وخطر استغلال الذكاء الاصطناعي لصناعة محتوى يخدم “أهواء صنعها”.
هذا التحدي يفرض معيارًا صارمًا: الالتزام المطلق بـ”الحقيقة المجردة والأمانة”. إن جذب القراء يجب ألا يكون ثمنه الانحدار إلى هاوية المعلومات المغلوطة أو غير الدقيقة. إن المنتدى، بالشراكة مع الأمم المتحدة، يطرح رؤية طموحة لمستقبل يعتمد فيه الإعلام على معايير “الحقيقة والسرعة” لخدمة الإنسانية.
في خضم هذه التطورات العالمية، تبرز أهمية دور الإعلام السوداني في المشاركة الفاعلة بمثل هذه المنتديات الدولية. يمر السودان حاليًا بأزمة مركبة، ويجد الإعلام السوداني نفسه في خضم تحديات مضاعفة: تحدي التطور التكنولوجي، وتحدي التغطية الموضوعية والمهنية في بيئة حرب وصراع.
إن تواجد الإعلاميين السودانيين في “منتدى مصر للإعلام” ليس مجرد حضور بروتوكولي، بل هو ضرورة حيوية. إنها فرصة لنقل تجربة مريرة ومفصلية في كيفية عمل الإعلام تحت ضغط قصوى، وتبادل الخبرات مع نخبة من صناع الإعلام في المنطقة والعالم حول آليات مبتكرة تضمن البقاء والفاعلية. إن الإعلام السوداني بحاجة ماسة إلى هذه الرؤى الجديدة لتطوير العمل سواء على مستوى الأفراد الذين يواجهون تحديات السلامة المهنية، أو المؤسسات التي تسعى للاستمرارية في ظل انهيار البنى التحتية.
إن الهدف الأسمى من المشاركة هو مدى الاستفادة من مخرجات وتوصيات المنتدى. يجب ألا تظل هذه التوصيات حبرًا على ورق، بل يجب تحويلها إلى خارطة طريق عملية، فمن ناحية المعايير التحريرية الجديدة، حيث تتبني معايير صارمة لتفنيد المحتوى الذي يُنشئه الذكاء الاصطناعي و”الأخبار الزائفة” على السوشيال ميديا، والتركيز على الصحافة الاستقصائية القائمة على الحقيقة المجردة، مع التدريب على التطور باستغلال توصيات المنتدى في برامج تدريبية متخصصة للإعلاميين السودانيين تركز على دمج التكنولوجيا بأسس مهنية، بما يضمن “بقاء الإعلام بمحتوى هادف”، وبناء شراكات إقليمية ودولية (كما هو الحال مع الأمم المتحدة) لدعم الإعلام السوداني ماديًا وتقنيًا ومنهجيًا، لتعزيز قدرته على الوصول إلى أعلى مستويات التطور وتحقيق خدمة حقيقية للإنسانية.
إن منتدى مصر للإعلام، الذي يبحث “مستقبل صناعة الإعلام”، قدم لنا بوصلة واضحة: البقاء للأكثر مهنية والتزامًا بالحقيقة، والأكثر قدرة على التطور. وكإعلاميين، واجبنا الآن هو أن نترجم هذه الرؤى إلى فعل.











