
*”ليس أصعب ما في منتصف العمر أن تتأخر عن الحب، بل أن تفقد إيمانك بأن الله ما زال يخبئ لك قلباً يليق بكل ما تعلمته من هذه الحياة”.. الكاتبة..!
لا شك أن هناك فرقٌ بين أن يعبر الناس حياتنا، وأن يعبروا أرواحنا. وبين أن نعرف إنساناً، وأن نهتدي إليه. لم ألتقِ دينق قوج – الجنوبي المرموق الذي ظل يحن إلى الشمال بكل ما أوتي من صدق – يوماً. لم نجلس إلى طاولة واحدة، ولم نتبادل أي حديث، ولم تجمعنا سوى صداقة افتراضية على فضاء الفيس بوك الأزرق الذي يقال عنه إنه يصنع علاقات هشة. لكن الأرواح لا تعترف بقوانين التطبيقات، ولا تحتاج إلى مصافحة كي تتعارف..!
حين أعلن زواجه الأخير من السيدة نادية، لم أكن أتابع حفلات وطقوس زفاف امرأة ورجل من جنوب السودان فحسب، بل كنت أتابع انتصاراً صغيراً للإنسان على أعقد قضايا رحلة الوصول إلي منتصف العمر. بعد أن عبر ما عبر من الطرق الوعرة، والخيبات، والأسئلة، والأثمان الباهظة التي يدفعها البشر مقابل أن يصبحوا أكثر حكمة، وأقل يقيناً..!
كانت طقوس الزواج، بما حملته من بهاء التراث المحلي، وأناقة الاحتفال العصري، تبدو وكأنها تقول شيئاً أكبر من الفرح نفسه “ليس هنالك عمر متأخر على أن يجد الإنسان من يسلمه قلبه لأنه يطمئن إليه”..!
أدهشني يومها مقدار السعادة التي شعرت بها وأنا أراقب تفاصيل حكاية لا تخصني. وسألت نفسي طويلاً “لماذا يفرح الإنسان لتتويج حكايات حب الآخرين إلى هذا الحد”؟. ثم أدركت أن الحب الحقيقي لا يخص صاحبيه وحدهما. إنه يرمم شيئاً في كل من يقف عليه. يعيد للمتعبين ثقتهم بأن الحياة لا تزال تخبئ مفاجآت نبيلة، ويهمس للمنهكين من الوحدة بأن القطار الأخير ربما لا يكون قد غادر المحطة بعد..!
كان يفصلني عام عن الوقوف على أعتاب الخمسين، وأنا أتابع صور طقوس زواجهما على صفحة دينق بشغف، كنت أرى في حكايتهما عزاءاً شخصياً، لأنني كنت أرى فيها إمكانية الحياة نفسها. كنت أقول في نفسي “ما أجمل أن يتوج الإنسان كل ما دفعه من أثمان، وكل ما احتمله من انكسارات، وكل ما تعلمه عن البشر، بالعثور على صنو الروح، على ذلك الإنسان الذي لا يأتي ليبدأ الحكاية، بل ليمنح كل دروس الحكايات السابقة معناها الجليل..!
نحن في في منتصف العمر لا نبحث عن الحب كما كنا نفعل في العشرين، عندما كنا نبحث عمن يخطف قلوبنا، نحن في الخمسين نبحث عمن يطمئنها.
نبحث عن رفيق لا يرهقه تاريخنا، ولا يخشاه، ولا ينافس أشباح الأمس، بل يجلس بجوارها حتى تختفي وحدها. نبحث عن من يعرف أن الحب بعد الأربعين والخمسين، لا يصبح أقل توهجاً، بل أكثر رحمة..!
ولذلك جاء رحيل دينق قوج وكأنه صفعة كانت موجهة إلى كل الذين صدَّقوا أن الحياة قد بدأت تنصفهم أخيراً. رحل دينق فجأة فبكيته كما يُبكى قريب، وبكيت على حزن عروسه نادية كما لو كنت أعرفها منذ زمن. لم أبكِ الموت وحده، بل بكيت ذلك المشهد النادر الذي انكسر قبل أن يمنحنا الوقت الكافي لكي نشبع منه..!
يومها كتبت إلى نادية، أو ربما عنها، خاطرة لم أنشرها، بعنوان “رسالة إلى امرأة لا أعرفها”، والغريب أنني كنت أشعر أنني أعرفها أكثر مما أعرف كثيرات التقيتهن في حياتي. فالأحزان الصدوقة لا تحتاج إلى تعارف، وإنما تحتاج إلى قلب يستطيع أن يسمع صمتها..!
منذ موت دينق كلما استمعت إلى أم كلثوم وهي تغني “صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن”، شعرت أن كلمات تلك الأغنية لم تعد مجرد كلمات، بل أصبحت سيرة مختصرة لكل إنسان ظن أنه وجد أخيراً من يجعله يسامح الدنيا. لكن الدنيا لا تكف عن تذكيرنا دوماً بأنها لا تمنح شيئاً كاملاً..!
وربما لهذا السبب ظل ذلك البيت الغنائي لصالح عبد السيد” أبو صلاح” يطاردني “قال لي تطوف بي كل حي، كيف تبقى عاشق وإنت حي”. ليس لأنه يربط الحب بالموت في سبيله، وإنما لأنه يلمح إلى حقيقة أكثر قسوة، مفادها أن الحب الكامل يجعل الإنسان يتجاوز حدود نفسه، بينما يصر العالم دائماً على إعادته إلى حدود الفقد..!
ومع ذلك، فإنني لا أظن أن دينق قد خسر معركته مع الموت، فالذين يموتون بعد أن أحبوا كل هذا الحب، لا يرحلون مهزومين. المهزوم الحقيقي هو من عاش عمره كاملاً دون أن يعرف ماذا يعني أن يجد إنساناً يستطيع أن يقول له، في نهاية الطريق “لقد وصلت أخيراً”..!
لعل الحب لا يهزم الموت، لكنه يهزم العبث، ولعل العمر لا يقاس بعدد السنوات التي عشناها، وإنما باللحظة التي نجد فيها من يجعلنا نصالح أيامنا، ونسامح الزمن. أما السؤال الذي تركه أبو صلاح معلقاً بين الأرض والسماء “كيف تبقى عاشق وإنت حي”، فربما كانت إجابته الوحيدة هي أن الحب الحقيقي لا يَعِدُ الإنسان بالخلود،بل يمنحه، ولو للحظات، شعوراً بأنه قد عاش الحياة كما ينبغي أن تُعاش..!
munaabuzaid2@gmail.com











