شيء للوطن.. م.صلاح غريبة يكتب: نيلٌ واحد ومصيرٌ مشترك: كرامة السوداني في “المحروسة” بين سندان القانون ومطرقة التشهير

Ghariba2013@gmail.com
في البدء، لم تكن العلاقة بين السودان ومصر يوماً مجرد “ملف سياسي” فوق طاولة المفاوضات، بل هي حكاية وجودية ضاربة في عمق التاريخ البشري، بدأت ملامحها منذ أن عرف الإنسان كيف يطوع ضفاف النيل ليشيد حضارات وادي النيل التي تمددت شمالاً وجنوباً قبل أن يرسم المستعمر خطوطه الوهمية. نحن نتحدث عن وجدان مشترك يمتد من “جزيرة توتي” في قلب الخرطوم إلى “جزيرة الوراق” في القاهرة، كما يذكر صديقي ناجي احمد البشير؛ شعب واحد سكن ضفتي النهر، وتلقحت دمائه حتى أصبحت القومية النيلية عصية على التفكيك، صامدة أمام كل حملات التجاذب الدخيلة.
ما يثير الأسى اليوم هو تلك النزعة التي برزت مؤخراً في أوساط بعض المنصات الإعلامية السودانية، التي أدمنت “جلد الذات” وتضخيم الهنات الفردية. إن السلوك الشائن أو المخالف للعادات والدين يظل في حقيقته حالات معزولة لا تمثل واحدًا في الألف من ملايين السودانيين المقيمين في مصر. لكن الإعلام، بوهجه المضلل وسرعة انتشاره، اختار أن يضخم الصورة لغرض في نفس يعقوب، محولاً التصرفات الشخصية المحدودة إلى “أزمات بنيوية” تسيء لسمعة شعبين هما الأكثر التزاماً بقيم الدين والخلق.
هذا التشهير الإعلامي لا يخدم إلا دعاة الفتنة، بينما الواقع على الأرض يحكي قصة مغايرة تماماً؛ قصة “المحروسة” التي فتحت أبوابها للسودانيين قبل الحرب وبعدها كأشقاء، لا كلاجئين. فالسوداني في مصر يلقى الترحيب في المقهى والمترو والشارع، ويجد الشباب فرص العمل دون تعقيدات، ويمارس أصحاب المال تجارتهم في بيئة آمنة، وهو كرمٌ وشيمٌ أصيلة لمسناها في “حلو الحديث” الذي يستقبلنا به الأشقاء المصريون دوماً.
ثمة لغطٌ كبير يثار حول دور السفارات السودانية، حيث تتعالى الأصوات عبر “الميديا” تطالب البعثات الدبلوماسية بالتدخل في كل شاردة وواردة، وهو أمر يتنافى مع منطق العلاقات الدولية. السفارة ليست “جهة أمنية” داخل الدولة المضيفة، بل هي راعٍ للمصالح السياسية والقنصلية. السلوك الشخصي للمقيم يخضع تماماً لقانون البلد المضيف، والسفارة لا تملك ميزانيات لحل الأزمات المالية الخاصة، ولا تملك حق التدخل في القضايا السلوكية والجنائية إلا بالقدر الذي يسمح به القانون الدولي من متابعة وموافاة. ومع ذلك، تبادر سفاراتنا بزيارة أقسام الشرطة المختلفة ومتابعة شؤون المحتجزين بإذن السلطات المصرية، في جهد صامت يفوق أحياناً الإمكانيات المتاحة.
يجب أن ندرك بوعي تام أن توجه الدولة المصرية لحصر المقيمين واللاجئين وتقنين أوضاعهم عبر “الإقامات الرسمية” هو إجراء سيادي يصب في مصلحة المقيم قبل الدولة. إن الفوضى والحدود المفتوحة التي شاهدناها في بلادنا سابقاً كانت خطأً استراتيجياً، ولا يجب أن نفرض هذا الخطأ على الآخرين. مصر من حقها، بل من واجبها، أن تعرف من يسكن أرضها لضمان أمنها القومي والاقتصادي، وهذا هو المسار الصحيح الذي يحفظ للدولة هيبتها وللمقيم حقوقه.
أما بخصوص التساؤل الملحّ حول “كرت المفوضية”، فعلينا أن نكون صريحين: الاعتماد الكلي على هذه البطاقة بات مخاطرة غير مأمونة بنسبة 100%. التناقض في التجارب الميدانية يؤكد أن الضمانة القانونية الحقيقية والوحيدة هي “الإقامة النظامية” (سياحة، دراسة، عمل). تقنين الوضع هو الدرع الذي يحميك من هواجس الترحيل، أما ما يشاع عن مداهمات عشوائية للمنازل فهو محض ذعر إلكتروني؛ السلطات المصرية تحترم خصوصية البيوت ولا تتحرك إلا ببلاغات رسمية ضد مخالفين بعينهم.
إن الرسالة التي يجب أن نعيها جميعاً هي أن قوانين الدول لا تتغير بالرضا أو السخط، والإساءة للبلد المضيف ليست شجاعة بل هي قصر نظر يضر بملايين الأسر. إن ضاقت بك السبل المادية لتقنين وضعك، فالأفضل هو التزام أقصى درجات الوقاية وتقليل التحركات غير الضرورية، أو اتخاذ القرار الشجاع بالعودة إلى حضن الوطن.
أنت لست شجرة مغروسة قسراً؛ أنت إنسان حر وقرارك بيدك. العودة إلى السودان، رغم جراحه، هي قمة الكرامة لمن لا يستطيع الوفاء بمتطلبات الإقامة النظامية. الإقامة في مصر يجب أن تقوم على قاعدتين لا ثالث لهما: إما وجودٌ يحترم المكان ويحفظ الود، أو رحيلٌ يحفظ العزة والأنفة. فمصر التي نعتبر أمنها من أمننا، تستحق منا الاحترام، وكرامتنا كسودانيين تقتضي منا الالتزام.











