
في الثالث من يناير 2026 استفاق العالم، من شرقه إلى غربه، ومن الشمال إلى الجنوب على مشهد غير مسبوق: طائرات أمريكية تغطي سماء مدينة كراكاس وتنفّذ عملية خاطفة لاختطاف رئيس دولة منتخب من منزله واقتياده إلى جهة مجهولة. لم يكن الحدث إجراءً أمنيًا عابرًا للحدود، بل كسرًا صريحًا لخط أحمر في العلاقات الدولية، وإعلانًا عمليًا بأن القوة يمكن أن تحلّ محل القانون. وكانت فنزويلا هي المسرح المختار لهذا الفعل الصادم.
رُفعت ذرائع جاهزة عن مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، والامتثال للقانون ولكنها ذرائع لا تصمد أمام المقارنة. ففنزويلا، مهما قيل عنها، لا تقارب المكسيك أو كولومبيا في حجم وتعقيد شبكات تهريب المخدرات. ولهذا السؤال الذي يطرح نفسه إذن ليس: لماذا المخدرات؟ بل: لماذا فنزويلا؟ والجواب الأقرب إلى الواقع هو أن فنزويلا حاولت—على طريقتها البوليفارية—أن تمارس سيادتها، وأن تمتلك قرارها السياسي المستقل خارج الإملاءات التقليدية. وفنزويلا تعرف انها دولة غنية بالموارد،، ومتنوعة المجتمع، وليست بلدًا محكومًا بالعجز أو الفشل الطبيعي. صحيح أن أزمتها تعود إلى مسار سياسي واقتصادي ولكنه مسار اختار الاستقلال في القرار وتحمّل كلفته، رغم أنه يمارس في عالم لا يتسامح كثيرًا مع من يخرج عن الخط. غير أن اختلاف الخيارات الوطنية، أو الاعتراض على نماذج الحكم، لا يمنح أي قوة خارجية حق الوصاية أو التدخل أو العدوان.
ان سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه فنزويلا جسّدت هذا المنطق بأوضح صوره. فهي لم تنطلق من احترام القانون الدولي ولا من حرص على الديمقراطية، وحتما ليس للحد من تهريب المخدرات بل انطلقت من حساب نفعي فجّ يرى في النفط الفنزويلي غاية، وفي السيادة الوطنية عقبة ينبغي إزالتها. وفي هذا السياق، جرى تجاهل ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة (2/4) التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، كما جرى القفز على الدستور الأمريكي نفسه، الذي يمنح الكونغرس—لا الرئيس—السلطة الحصرية لإعلان الحرب وفق المادة الأولى، القسم الثامن. والأخطر من العملية ذاتها هو ما تفتحه من سابقة مدمّرة للنظام الدولي. فإذا كان امتلاك قرار سياسي مستقل مبررًا لاختطاف رئيس دولة وانتهاك سيادتها، فإن هذا السلوك يمنح جمهورية الصين ذريعة جاهزة لغزو تايوان، ويمنح روسيا الاتحادية مبررًا سياسيًا لاعتقال الرئيس الأوكراني ونقله إلى موسكو للمحاكمة تحت أي لافتة أمنية. عندها، لا يعود القانون الدولي إطارًا ناظمًا، بل أداة انتقائية في يد الأقوى.
والمشكلة أن هذا المسار ليس جديدًا. ففي بنما عام 1989، غزت الولايات المتحدة دولة ذات سيادة واعتقلت رئيسها مانويل نورييغا ونقلته إلى أراضيها للمحاكمة. وفي العراق عام 2003، دُمّرت قوات الرئيس بوش دولة كاملة بذريعة ثبت بطلانها، فانفتح باب الفوضى على مصراعيه ولا يزال. وفي ليبيا عام 2011، اسقط النظام واعدم الرئيس القذافي وسقطت معه الدولة تحت غطاء “حماية المدنيين”، دون أي أساس قانوني لبناء ما بعد التدخل.
ان ما جرى في فنزويلا ليس دفاعًا عن القانون، وليس منعاً لتهريب المخدرات بل خطوة أخرى نحو استبدال العلاقات الدولية بمنطق الغلبة. فحين تُستباح السيادة لأن دولة ما قررت أن تقول “لا”، يتحول النظام الدولي إلى غابة، وتغدو الحدود بلا معنى، والشرعية بلا قيمة.
الدفاع عن سيادة فنزويلا ليس دفاعًا عن نظامها، بل دفاع عن حق الشعوب في امتلاك قرارها السياسي دون تهديد أو اختطاف أو ابتزاز. فإذا تحولت السياسة الدولية إلى بلطجة، فلن يكون أحد في مأمن، مهما بلغت قوته أو نفوذه.











