
.
ود مدني _ أحلام عمر
في أحد أركان سوق ود مدني، يجلس شابٌ أمام بضاعة متواضعة؛ إبرٌ وخيوط وأدوات خياطة بسيطة. يمر الناس من أمامه، يساومونه في الأسعار، ثم يغادرون، وربما لا يعلم أحد منهم أن هذا البائع كان يومًا مذيعًا، ومقدم برامج، وصحفيًا، ومراسلًا ميدانيًا، ومدربًا إعلاميًا، وخطيبًا وداعية.
إنه محمد يحيى الريح محمد، المعروف بين زملائه ومحبيه باسم “أبو ضلع”.
ولد أبو ضلع عام 1998 بمنطقة الهجليج شرق ود مدني، ونشأ في بيئة جعلت من القرآن الكريم والعلم أساسًا لحياته. تنقل بين مراحل التعليم المختلفة حتى التحق بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان، كلية التربية، قسم القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، مؤمنًا بأن التعليم هو الطريق إلى المستقبل.
لكن الدراسة وحدها لم تكن كافية بالنسبة إليه. كان شغوفًا بالإعلام، فبدأ في تطوير نفسه عبر الدورات التدريبية، وحصل على عدد من الشهادات المهنية، وأصبح معدًا ومقدمًا ومخرجًا للبرامج الإذاعية والتلفزيونية، كما عمل صحفيًا ومراسلًا ميدانيًا، ومدربًا في المجال الإعلامي، واهتم بصحافة الهاتف المحمول، وشارك في إنتاج التقارير الإخبارية.
لم تكن هذه مجرد شهادات توضع داخل ملف، بل تحولت إلى تجربة عملية واسعة. ظهر عبر تلفزيون السودان مقدمًا لبرنامج “نور على نور”، وشارك في تقديم المنتدى الشبابي، كما قدم برامج رمضانية عبر فضائية الحوش، وكانت له مشاركات في قناة الشمالية وقناة الظهيرة.
وفي الإذاعة، كان صوته مألوفًا لدى المستمعين، إذ قدم برامج عبر إذاعة ساهرون وإذاعة بلادي وراديو “على مودك”، مخاطبًا الشباب والمجتمع بقضاياهم وهمومهم.
ولم يتوقف عطاؤه عند الإعلام، فقد عمل في الصحافة مراسلًا لعدد من المنصات والقنوات، وتولى إدارة إذاعات محلية، كما ظل حاضرًا في العمل الطوعي والإنساني، وشارك في مبادرات لخدمة المرضى والمحتاجين، وخطب في عدد من المساجد، جامعًا بين رسالة الإعلام ورسالة الدعوة.
كل هذه التجربة، وكل تلك السنوات من الاجتهاد، كانت توحي بأن المستقبل سيحمل له فرصة تليق بما قدمه.
لكن الواقع كان مختلفًا.
اليوم، يجلس أبو ضلع في سوق ود مدني يبيع الإبرة والخيط ليؤمن قوت يومه ويعيل أسرته.
لم يخجل من العمل، لأن كل عملٍ شريفٍ هو مصدر عز وكرامة، لكنه يتساءل، كما يتساءل آلاف الشباب السودانيين: أين تذهب الشهادات؟ وأين تذهب الخبرات؟ ولماذا يجد كثير من الخريجين أنفسهم بعيدين عن المهن التي أفنوا سنوات عمرهم في الاستعداد لها؟
قصة أبو ضلع ليست استثناءً، بل هي صورة مصغرة لواقع يعيشه عدد كبير من الشباب. خريجون يحملون شهادات جامعية، وخبرات مهنية، وسيرًا ذاتية مليئة بالإنجازات، لكنهم يصطدمون بندرة فرص العمل، فيلجأون إلى أي مهنة شريفة تحفظ لهم كرامتهم وتوفر لهم لقمة العيش.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أن صاحبها لم يستسلم، ولم يجعل البطالة تكسر إرادته. اختار أن يعمل، مهما كان العمل بسيطًا، لأن الكرامة في الكسب الحلال، لا في انتظار المجهول.
غير أن هذا لا يلغي سؤالًا يستحق أن يُطرح بصوتٍ عالٍ:
كم من “أبو ضلع” يعيش بيننا اليوم؟
كم من معلم يعمل في مهنة لا تمت للتعليم بصلة؟ وكم من صحفي، ومهندس، وطبيب، وتقني، اضطروا لترك تخصصاتهم بحثًا عن أي مصدر رزق؟
إن الاستثمار الحقيقي لا يكون في بناء الجامعات وحدها، بل في توفير بيئة تستوعب خريجيها، وتمنحهم الفرصة لخدمة وطنهم بعلمهم وخبراتهم.
ويبقى أبو ضلع مثالًا لشاب لم تمنعه الظروف من العمل، ولم تسلبه الأمل. وما زال يؤمن أن الفرصة قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وأن السنوات التي قضاها في التعلم والإعلام ستأتي لحظة يجد فيها المكان الذي يستحقه.
وربما تكون قصته اليوم رسالة إلى كل مسؤول، وإلى كل جهة معنية بالتوظيف: إن وراء كل شهادة حلمًا، ووراء كل سيرة ذاتية إنسانًا ينتظر فرصة عادلة، لا أكثر.











