الأخبار

السمسار هو سبب فشل السودان .. الصفر البارد

عندما نتحدث عن الأزمات التي تعصف بالسودان، نركز غالباً على المشاكل السياسية أو الاقتصادية الكبرى، ولكن ثمّة آفة خفية تأكل جسد الاقتصاد السوداني من الداخل، إنها آفة السماسرة غير المؤهلين، أولئك الذين حوّلوا مهنة الوساطة التجارية إلى أداة للجهل والجشع والتدمير المنظّم للشعب السوداني. إنها مصيبة حقيقية تفوق في تأثيرها العديد من الكوارث المعلنة، لأنها تعمل بصمت وجهل مركّب، فتدمّر الأسواق، وتفسد المفاهيم، وتنهش في مقوّمات حياة المواطن البسيط.

– ما يفعله السماسرة في السودان في كل المجالات لا يمكن وصفه إلا بأنه حرب غير معلنة على العقل والاقتصاد. هؤلاء الأشخاص، ومعظمهم من ذوي المستوى التعليمي المتدني جداً، بل إن نسبة لا تقل عن تسعين بالمئة منهم يعانون من الفاقد التربوي الحقيقي، استطاعوا أن يفرضوا أنفسهم كحلقة وصل لا يمكن تجاوزها بين التاجر والمستهلك، وبين البائع والمشتري. وهذه الكارثة الكبرى تكمن في أن أمياً في أبجديات الاقتصاد والهندسة والعلوم الأساسية يجلس ليفتي في قيم السلع وأسعارها، وكأنه خبير اكتسى حكمة السنين.

– ضربت مفاهيم السمسرة حتى بعض الأعمال الخاصة بالحكومة، وكلنا تابعنا حديث الفريق إبراهيم جابر عن المسؤول الذي تحوّل إلى سمسار وقام باستئجار عقارات للحكومة بالدولار. فهل لم يستفد ذلك المسؤول من سمسرة بين صاحب العقار والمبلغ المقبوض بالدولار؟ ،، ولا يخفى على الكثيرين كذلك منذ الاستقلال وحتى اليوم أن هناك من يسمسر في المناقصات والعطاءات الحكومية، ومن يمنحون التراخيص للبعض مقابل حفنة من دولارات تدفع تحت الطاولة، وكم وكم من مصيبة وقعت على اقتصاد البلاد من الفساد الشخصي في مجال السمسرة.

– ومثال في سوق السيارات، يتجلّى الوجه القبيح لهذه الظاهرة بوضوح صادم. تجد سمساراً لا يعرف الفرق بين محرك احتراق داخلي ومحرك كهربائي، لم يقرأ يوماً كتاباً في الميكانيكا أو الهندسة الميكانيكية، ومع ذلك يقف ليملي على الناس أي السيارات أفضل، وبأي ثمن تبيع وبأي ثمن تشتري. والأدهى من ذلك، تلك الخرافات التي يروّجها بكل ثقة وغرور، في مثال صارخ على الجهل الذي يتحول إلى دين يُتبع. من هذه الخرافات السخيفة، اعتقادهم الراسخ بأن سيارة هايلوكس موديل 1983 أفضل وأقوى وأعلى من ناحية الأسعار من سيارة موديل 2026! وعندما تسأل أحدهم عن السبب، يقول لك بكل براءة وغرور: “القديم قلبه حار!”، كأن التكنولوجيا القديمة مقياس للجودة والكفاءة. وسمسار جاهل شطب لنا قانون الاقتصاد عن قيمة الاهلاك وعن القيمة الدفترية للسيارات! (و ذاك السمسار هو زاااتو ما بعرف يعني شنومعنى قيمة الاهلاك أو القيمة الدفترية للعربات القديمة. )

– وهذا الكلام ليس مجرد جهل عابر، بل هو جهل خطير ينشر معتقدات غبية بين الناس، ويعيد عقليات السودانيين عقوداً إلى الوراء. هؤلاء السماسرة لا يعرفون أن صناعة السيارات تطورت بشكل مذهل، وأن المحركات الحديثة أصبحت أكثر كفاءة وأقل حرارة وأعلى في الأداء وأكثر أماناً وتوفيراً للوقود. لا يعرفون شيئاً عن ديناميكية الهواء، أو أنظمة الفرمان الإلكترونية، أو معايير الأمان الحديثة، أو تقنيات تقليل الانبعاثات الكربونية . كل ما يعرفونه هو “القلب الحار” وهذه المفاهيم البدائية تنطلي على كثير من البسطاء، فيدفعون أثماناً خيالية لسيارات بالية، لأن السمسار قال لهم إنها “أصلاً حديد قوي ” و”ما حتخذلك على البر”.

– والأمر لا يتوقف عند السيارات فقط، بل يمتد ليشمل المواد الغذائية وجميع السلع الأساسية. السماسرة في أسواق المواد الغذائية هم أنفسهم الجهلاء الذين يتلاعبون بالأسعار دون أدنى مسؤولية اجتماعية أو وطنية. يرفعون الأسعار على المواطنين في أوقات الأزمات، ويحتكرون السلع، ويتلاعبون بالعرض والطلب بطرق همجية، وكل ذلك باسم العمولة والوساطة. إنهم يخلقون حلقات وسيطة غير ضرورية تزيد التكلفة على المستهلك النهائي دون أي قيمة مضافة حقيقية.

– أكبر فساد في البلاد يأتي بالفعل من باب السمسرة غير المهنية. هذا فساد لا يقل خطورة عن فساد المال العام، لأنه يفسد عقول الناس قبل أن يفسد جيوبهم. فساد أخلاقي وفكري قبل أن يكون اقتصادياً. هؤلاء السماسرة لا يهمهم البائع ولا المشتري، لا يهمهم إن كانت السلعة معيبة أو سليمة، لا يهمهم أن يشتري المواطن سيارة تنهار بعد أسبوع، أو يشتري طعاماً مغشوشاً. كل ما يهم هو أن تتم “البيعة”، وأن يحصلوا على عمولتهم. إنهم نسخ مشوهة من تجار الرقيق، يبيعون ويشترون بلا ضمير، ويدمرون كل شيء في طريقهم والمهم ( يقبض حق السمسرة ويولي هاربا)
.

– آخر المداد
إن السودان لن ينهض من كبوته ما لم يتم تقييد هذه الظاهرة الخبيثة، وتنظيم مهنة الوساطة التجارية بشهادات وكفاءات حقيقية، ومحاربة الجهل الذي يروّجه السماسرة عبر الإعلام والتثقيف المجتمعي. فاقتصاد لا تحكمه المعرفة، ويُترك للجهلاء والسماسرة، هو اقتصاد محكوم عليه بالفشل والتخلف.
لذلك أطالب الحكومة إن كان لها اهتمام حقيقي بالشعب والمواطن أن تضع قانوناً من أجل تقييم السيارات المستعملة، وأن تمنح تراخيص لمكاتب وورش بها مهندسون أصحاب تخصص، هم من يقومون بعملية تقييم السيارات قبل توقيع عقد البيع، وأن يكون البيع مرتبطاً بشبكة معلومات يمنع فيه البيع بأكثر من القيمة التي وضعها المهندسون الذين قاموا بتقييم السيارة في الورشة المرخصّة لذلك.
ثم لماذا ترفع الحكومات من قيمة جمارك السيارات بينما استهلاك الدولار كله ذاهب في عمليات استيراد الاسبيرات للسيارات القديمة وهنا اجد عدم وعي حكومي بكيفية المحافظة على عدم اهدار العملات الصعبة في الاستيراد وهذا احد أسباب ارتفاع قيمة الدولار وانهيار العملة السودانية ( الجنيه الحق امات طه بعبقرية التخطيط الفاشل ) و هنا يوجد خلل متراكم في المفهوم الغير اقتصادي ولا علمي عبر الحكومات منذ الاستقلال .

إن الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال وحتى اليوم لم يكن فيها من يهتم بالشعب، بل كان بينهم من هو في نفسه يمارس السمسرة، ولذلك لم يتم فتح ملف فساد السمسرة من أي حكومة مرت على البلاد حتى اليوم. وإن لم يتم تصحيح وضع السمسرة في البلاد وتقنين هذه المهنة، فإن السودان لا يتقدم اقتصادياً ولن يختفي الفساد ولو قامت ناقة صالح.
ألا هل بلّغت؟ الله فاشهد. “فستذكرون ما أقول لكم، وأفوّض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *