الشيخ الدكتور الأمين عمر الأمين يكتب : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

_ليست هذه الكلمات رثاءً عابرًا أو تخليدًا لذكرى خالدة بلا حديث، فكل شهيد يكفيه ما يعلمه الله من مكانته، وإنما هي شهادة حق تُكتب بمداد الفخر، وتُروى بدمع العزة.
_ بين ترتيب الصور، تتجلّى حكاياتُ استجابة لنداء الواجب، شهداء نظاميين مضوا في صفوف القوات المسلحة بقلوبٍ عامرة بالإيمان، وأرواحٍ عقدت العزم على الدفاع عن العرض وصون الوطن ولم نقدم زكر الشهداء من اخوانهم المدنيين الا لانه من خاض صفوف القتال مختارآ لها كان يعلم مقعده اما من تطوع للعمل الانساني فهو من اختاره الله دون ترتيب .
_واليوم نقف بخشوع وفخر عند سيرة شهيد تجسّد فيه الثبات في أبهى صوره: صغير السن، عظيم المقام، راسخ اليقين؛ لم تُقَس رجولته بعدد سنوات عمره، بل بثقل مواقفه ساعة الشدّة.
_إنه شهيد سلاح الإشارة، ابني الملازم أحمد المعتز.. شاب حمل قلبًا لا يعرف التراجع، وروحًا لا تساوم على الحق. ظل شجاعًا حتى آخر أنفاسه، ثابتًا في موقعه حبًا للوطن، رابطًا على جراحه، وكان على تواصل معي، كأن قلبه يودع الدنيا وهو مطمئن.
لم يفارق سلاحه حتى بعد إصابته، في صورة ناطقة بمعنى الرجولة والإيمان، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾.
أخذ أحمد البيعة في شهر رمضان، شهر الصدق والتجرد، ذلك الشهر الذي اشتعلت فيه الحرب، كأنه اختار أن يبدأ طريقه إلى الله من باب الابتلاء، ماضيًا بثبات نحو رضوانه.
_كان مواظبًا على قيام الليل ما استطاع، حاضرًا في حلقات العلم، يتزوّد بنور الإيمان قبل أن يتزوّد بعدة القتال، متحققًا بقول رسول الله ﷺ:
(مَن سَلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيه علمًا، سهَّلَ الله له به طريقًا إلى الجنّة) .
وحين نادى نداء الواجب لبى بلا تردد، وخرج وهو يعلم أن الطريق وعر، لكن الغاية عظيمة.
_توجّه إلى ساحة القتال دفاعًا عن العرض والوطن بكل ثبات في منطقة بحري، مؤمنًا بأن الأوطان لا تُحمى بالخطب، بل تُصان بالتضحيات. وقد صدق فيه قول رسول الله ﷺ:
«مَن قُتِلَ دونَ دِينِهِ فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دونَ أهلِهِ فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شهيد».
_حُصِرو في سلاح الإشارة، واتصل بي قائلاً إنهم محاصرون ولن يسلموا، وسوف يقاتلون حتى الشهادة.
_ وشهد الله بتكلمه معي وصوت الرصاص يدوي، وقال لي: “أنا أرى العدو، إن استشهدت ادع لي، وإن نجوت أنا معكم”.
ثم أغلق الهاتف وبعد أسبوع اتصل بي وقال: “أنا مُصاب ومُحاصر، وما زلت أقاتل بجراحي، لكن المَنية سبقت وفاضت روح الشهيد إلى الجنة، وهو من أوائل الشهداء في سلاح الإشارة” .
_لقد كان أحمد المعتز مثالًا للشاب المؤمن المحتسب، جمع بين صفاء العقيدة، وحسن الخلق، وشرف الانتماء، فكان حضوره في الميدان امتدادًا لحضوره في محراب الطاعة، وسيرته في القتال صورة صادقة لسيرته في الحياة.
_رحم الله أحمد المعتز، الذي أثبت أن الأثر لا يُقاس بطول العمر، بل بما يُقدّم من إخلاص ووفاء، وأن تُضيء حياتك بصدق وفداء للحق والوطن.
_وإن وعد الله عظيم للمؤمنين الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ أَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا… وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
_هؤلاء الأبطال لم يغادروا الحياة، بل مضوا إلى رحمة ربهم، وخلّدوا أسماءهم على صفحات البطولة، ليظلوا شعلة تضيء الطريق لكل من يسعى في سبيل الله والوطن. لن تنطفئ ذكراهم، ولن تزول عزيمتهم، فهم القدوة، وهم الفخر، وهم وعد الله الحق لمن سلك درب الشهادة.
ولنا في المسيد بقية ✒️











