الأخبار

حظر تمويل تجارة العملات والأسهم في السودان

متابعات _ عزة برس

حين تتعرض الأنظمة المالية لاهتزازات عميقة، غالبًا ما تلجأ البنوك المركزية إلى أدواتها التنظيمية في محاولة لاستعادة قدر من الانضباط، حتى وإن بدا المشهد الاقتصادي أوسع من أن يُعالج بتعديلات إجرائية.

وفي السودان، الذي ما زال يتعافى من صدمة حرب عطّلت مؤسساته وأضعفت قنوات التمويل الرسمية، جاءت التوجيهات الأخيرة للبنك المركزي كجزء من محاولة لإعادة رسم حدود ما يمكن للنظام المصرفي أن يقوم به في بيئة تتغير بسرعة.

فالتعليمات الجديدة تعكس رغبة واضحة في إعادة توجيه الموارد نحو الأنشطة التي يُفترض أن تدعم التعافي الاقتصادي. إذ سمح البنك بتمويل مشروعات إعادة الإعمار والبناء والصيانة، شريطة أن يمتلك العميل الأرض محل المشروع، في محاولة للحد من المضاربات العقارية وضمان ارتباط التمويل بأصول حقيقية. كما شملت القائمة تمويل وسائل النقل الخدمية والإنتاجية، وهي قطاعات تُعد ضرورية لإعادة تشغيل سلاسل الإمداد التي تضررت بشدة خلال الحرب.

لكن هذه الانفتاحات جاءت مصحوبة بقيود صارمة على الأنشطة التي يعتبرها البنك عالية المخاطر. فقد حُظر تمويل تجارة العملات الأجنبية، وشراء الأسهم والأوراق المالية، وتسوية التمويلات المتعثرة المرتبطة بهذه الأنشطة. كما امتد الحظر إلى تجارة رصيد الاتصالات، وهي سوق جانبية توسعت خلال السنوات الماضية وأصبحت منفذًا للمضاربة. هذه الإجراءات تعكس محاولة للحد من الأنشطة التي تستنزف السيولة وتغذي تقلبات سعر الصرف، في وقت يسعى فيه البنك المركزي إلى تثبيت بيئة نقدية مضطربة.

وفي خطوة موازية، رفع البنك سقف التحويلات اليومية بين المصارف عبر نظام “BBN” إلى ثلاثة ملايين جنيه، بعد أن كان السقف مليونًا واحدًا. ويُقدَّم هذا التعديل بوصفه استجابة لارتفاع حجم التعاملات وتوسع النشاط الاقتصادي، لكنه يعكس أيضًا واقعًا أكثر تعقيدًا: فقد تراجعت القيمة الحقيقية للجنيه إلى مستويات تجعل السقف السابق غير ملائم للمعاملات اليومية، سواء للأفراد أو الشركات. ومن ثم، فإن رفع السقف يبدو محاولة لتسهيل حركة الأموال داخل النظام المصرفي، وتقليل الاعتماد على القنوات غير الرسمية التي توسعت خلال الحرب.

ويؤكد البنك المركزي أن هذه الإجراءات جزء من خطة أوسع لتطوير القطاع المصرفي وتحديث بنيته التشغيلية، بما يتماشى مع النمو المتزايد في حجم المعاملات. غير أن نجاح هذه الخطة سيعتمد على قدرة الدولة على استعادة الاستقرار الأمني والمؤسسي، وعلى قدرة البنوك على تنفيذ هذه التوجيهات في بيئة ما زالت تعاني من ضعف البنية التحتية وتراجع الثقة العامة.

في نهاية المطاف، تبدو هذه القرارات محاولة لإعادة ضبط الإيقاع المالي في اقتصاد يعيش تحت ضغط الحرب. فهي تعكس إدراكًا بأن النظام المصرفي لا يمكنه الاستمرار بالآليات القديمة، لكنها تكشف أيضًا حدود ما يمكن للسياسات النقدية تحقيقه في غياب إصلاحات أوسع تعالج جذور الأزمة. وإذا تمكنت السلطات من تحويل هذه الإجراءات إلى مسار مستدام، فقد تشكل خطوة أولى نحو إعادة بناء قطاع مالي قادر على دعم التعافي الاقتصادي، لا مجرد إدارة أزماته اليومية.

عين السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *