
لعن الله الحرب؛ تلك التي شتتت شملنا، وفرقت بين الأسر، وباعدت بين الأخ وأخيه، وبين الابن ووالديه. لقد اشتدت الاشتباكات حتى “بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ” من فرط الخوف؛ ذلك الرعب الذي يكبل خطاك خلف جدران دارك، ويمنعك حتى من جلب لقمة عيش أو جرعة دواء، فتموت جوعاً ومرضاً في عقر دارك.
وسط هذا الركام، سمعتُ بأحبابنا وإخواننا الأقباط في حي المسالمة وقد اشتد عليهم الحال، وتقطعت بهم السبل فأرسلت إليهم إذا هم بحوجة إلى أي مساعدة فكان ذلك المرسال بمثابة طوق نجاة لهم، هؤلاء الأحبة لو يعلم الناس مقامهم عندنا، فديننا الذي يحثنا على الوفاء بالعهود هو الذي قال فيه المصطفى ﷺ: “ألا مَنْ ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة”.
حلَّ أحباؤنا الأقباط “المسيد”؛ وتفاجأوا بذلك المكان الذي ظل يضج بالناس وينبض بالحياة، حيث الجمعة والإطعام والطبابة. ولكن كانت تخالجهم ريبة: “كيف سيستقبلنا مسيد شيخ دين إسلامي؟”. لم يدركوا أننا ننهل من مكارم أخلاق نبينا التي لا تعرف الضيق،
وأنني
لَيْسَ التَّعَصُّبُ مِنْ شَأْنِي وَلا أَدَبِي … أَنَا المُحِبُّ لِكُلِّ الخَلْقِ فِي اللَّهِ
لقد امتثلنا لقول الحق تبارك وتعالى: “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”. فكان استقبالي لهم مباشراً، ممزوجاً بفرحة تهللت أساريري حين قدومهم وحزنت على حالهم الذي يفطر القلب من فرط التعب والجوع والترويع. هيأت لهم بيوتاً تليق بمقامهم كإخوة في الوطن وأهل للديار ومن كان مريضاً أسرعنا بإسعافه في عيادة المسيد وصرفنا له الدواء من الصيدلية، (وبقت عيشتنا واحدة أكلنا وشرابنا ويومنا مع بعض).
وما أحزنني حقاً هو ظنهم بأن صبغة المكان الدينية قد تكون حاجزاً دونهم، فهدى الله من غرس في النفوس تلك الأفكار الدخيلة. فرسولنا الكريم ﷺ كان أطيب الناس خُلقاً وأكرمهم معشراً مع جاره، أياً كان معتقده.
وفي هذه المناسبة أستحضر قصة اليهودي الذي رهن له المصطفى صلى الله عليه وسلم درعه بكذا صاع من الشعير، رسولنا الكريم لا يحتاج لذلك ولكن هذا درس للأجيال في حسن معاملة الكتابيين والذميين…
وبعد خروجهم آمنين من المسيد ولأنهم نبلاء كرماء أرسل لنا صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا صرابامون أسقف عطبرة وأم درمان وشمال السودان خطاب شكر رسمي من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأم درمان.
🛑 أزيدكم من الشعر بيتاً؟ (كان معنا جارنا الهندي)، وكان “مجوسياً” يعبد الثور القائم في “التكية” قبل ذبحه، (فوالله) ما وجد منا إلا كل مودةٍ وإكرام، حيث عاش بيننا بكل حب واحترام…
وقد امتثلنا في تعاملنا معه لقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل آوى إلينا إخواننا الإثيوبيون، ولو وقعت أبصاركم عليهم في تلك المقاطع وهم يشكرونني على حسن الضيافة، وكيف بللت الدموع مآقيهم حين حان وقت الرحيل عن “المسيد”؛
وَرَاعِ حُقُوقَ الخَلْقِ قَاطِبَةً وَكُن … لَهُمْ رَحِمًا مَوْصُولَةً وَأَخًا بَرَّا..
هكذا تذوب الفوارق في حضرة الإنسانية
(وغدا المسيد وطناً لكل غريب).
ولنا في المسيد بقية…











