الأخبار

تقرير _ الاغتـ.صاب كسلاح حرب في السودان: شهادات مروّعة ودعم إماراتي يُؤجّج الفظائع

تحقيق _ انيس منصور

«كنت أنامُ واضعةً سكينًا تحت وسادتي منذ أشهر خوفًا من المداهمات التي تؤدي إلى الاغتصاب على يد مليشيا الدعم السريع

بهذه الكلمات وصفت شابة سودانية (20 عامًا) حالة الرعب التي عاشتها النساء في الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة المليشيا المدعومة اماراتيا في الخرطوم.

عند اندلاع الحرب بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، تعرّض عدد لا يُحصى من النساء والفتيات في السودان لجرائم اغتصاب مروّعة على أيدي أفراد هذه المليشيا. وتصف تحقيقات حقوقية مستقلة هذا العنف الجنسي بأنه سلاح ممنهج تستخدمه هذه المليشيا لمعاقبة السكان وترهيبهم في المناطق التي تُسيطر عليها.

خبراء مستقلون في الأمم المتحدة اكدوا وبعد أربعة أشهر فقط من بداية النزاع انتشار تقارير موثوقة تفيد بأن مقاتلي المليشيا يستخدمون الاغتصاب بشكل منهجي لبثّ الرعب في المجتمعات المحلية.
وحذّر الخبراء حينها من أن مئات النساء اعتُقلن على يد عناصر هذه القوات، واحتُجزن في ظروف غير إنسانية أو مُهينة، وتعرّضن لاعتداءات جنسية، بل ووُضِعت بعضهن قسرًا في وضع أشبه بـالعبودية الجنسية داخل معسكرات المليشيا. وأشار الخبراء إلى أن هذا العنف لم يستثنِ أحدًا؛ فالنساء والفتيات في المراكز الحضرية كما في إقليم دارفور كنّ عرضة على نحو خاص لهذه الانتهاكات، حتى اللاجئات والمهاجرات من دول مجاورة كجنوب السودان وإريتريا لم يسلمن من ذلك.

مع انتشار هذه الجرائم، بدأت تتكشف أنماط مرعبة لاستخدام الاغتصاب كأداة حرب. في المناطق التي بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها عليها، تكررت روايات الناجيات عن اعتداءات جماعية يشارك فيها عدة مقاتلين في آن واحد.

ووثّقت منظمات حقوقية دولية حوادث اغتصاب جماعي تعرضت فيها الضحية للانتهاك من قبل ما لا يقل عن ثلاثة إلى ستة مسلحين، وفي بعض الحالات وصل العدد إلى سبعة رجال أو أكثر تناوبوا على اغتصاب امرأة واحدة.

وبحسب منظمات حقوقية سودانية فإن قوات الدعم السريع دأبت على اعتماد نمط الاغتصاب الجماعي الأشد وحشية في كل أنحاء البلاد، من أصغر ضحية عمرها ست سنوات إلى سيدات تجاوزن الخامسة والستين.

في هذا السياق كشف تقرير حديث لمنظمة العفو الدولية (أبريل 2025) أن انتهاكات قوات الدعم السريع امتدت لمعظم مناطق السودان التي طالتها الحرب.

فعلاوة على الخرطوم وأطرافها، وثّقت المنظمة حالات اغتصاب في ولاية الجزيرة (جنوب الخرطوم)، حيث اقتحم جنود من المليشيا منازل مدنيين واغتصبوا نساءً وفتيات أمام أسرهن بعد سرقة ممتلكاتهن؛ وفي إحدى الحالات قتلت الضحية رميًا بالرصاص بعد تعرضها لاغتصاب جماعي.

وفي حالة أخرى أنجبت امرأة طفلًا نتيجة الاغتصاب فهجرها زوجها، ما يبين الآثار الاجتماعية المدمرة لهذه الجرائم.

كذلك أشارت المنظمة إلى حادثة اغتصاب جماعي لعشرين امرأة وفتاة وقعت في قرية أم شَنابَت بولاية شمال دارفور، في دلالة خطيرة على استخدام الاغتصاب الجماعي بشكل منهجي في مناطق النزاع.

في إقليم دارفور المنكوب، عادت مشاهد الرعب التي شهدتها المنطقة خلال حرب الإبادة الجماعية في العقد الأول من الألفية لتتكرر على يد قوات الدعم السريع (التي نشأت أساسًا من ميليشيات الجنجويد سيئة الصيت). ففي مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، شنّت قوات مليشيا الدعم السريع وميليشيات عربية متحالفة معها سلسلة هجمات وحشية بدءًا من 24 أبريل/نيسان 2023 استهدفت بالأساس أبناء قبيلة المساليت ذات الأصول الإفريقية.

خلال هذه الهجمات قتلت المليشيا المئات من المدنيين وأجبرت مئات الآلاف على النزوح، وارتكبت عشرات جرائم الاغتصاب كجزء من حملة تطهير عرقي واضحة المعالم.

منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت شهادات مروّعة لنساء وفتيات تعرضن للاغتصاب في الجنينة وما حولها خلال الفترة بين أواخر أبريل ونهاية يونيو 2023، حيث بلغ عدد الضحايا المعروفات 78 امرأة وفتاة مغتصَبة ضمن نطاق ذلك التحقيق وحده.

ويرجّح أن يكون العدد الحقيقي أكبر بكثير نظرًا للظروف التي تمنع كثيرات من الإبلاغ.

تتكرر في روايات الناجيات من دارفور تفاصيل مأسوية تكشف الطابع الممنهج للعنف الجنسي الذي مارسته مليشيا حميدتي وميليشياتها الحليفة.

تقول إحدى الناجيات وهي طالبة اقتصاد (28 عامًا) من الجنينة، إنها في مساء يوم 8 يونيو/حزيران 2023 احتمت مع أسرتها وجيرانها في أحد المنازل حين اقتحم نحو ثمانية مسلحين المنزل، بينهم عناصر بزيّ الدعم السريع.

بعد أن قام المهاجمون بضرب الرجال الموجودين وسلب الهواتف، عزلوا الشابة في غرفة بحجة التفتيش عن هاتف آخر. هناك، بدأ أحدهم يتحسس جسدها بحثًا عن الهاتف المزعوم ثم قال لها بلهجة تهديد: “عليكِ أن تضحي بنفسك وإلا سنطلق النار على إخوتك”

. رفضت الشابة صارخة ومستعدة للموت دفاعًا عن عائلتها، فأجابها المهاجم: “نحن لا نقتل النساء”، قبل أن يُجبرها تحت تهديد البندقية على الاستلقاء ويقوم باغتصابها بينما كانت عائلتها محتجزة تحت تهديد السلاح في الغرفة المجاورة. أصيبت الضحية بنزيف حاد وجروح جسيمة جراء الاعتداء، نُقلت على إثرها إلى المستشفى حيث خضعت لجراحة عاجلة وعلاج طبي لمنع الحمل والأمراض.

ورغم ذلك، ظلت تعاني لأسابيع من آلام حادة والتهابات ومخاوف من حمل محتمل بسبب تأخر دورتها. بعد تلك الواقعة الأليمة، فقدت الشابة رغبتها في البقاء في مدينتها المنكوبة قائلة: “قلبي يرفض هذا المكان”. لكنها وجدت نفسها أمام مأساة جديدة حين عجزت والدتها المصابة عن النزوح معها لعدم توفر المال، لتظل الأم في مدينة لا تزال ترزح تحت خطر المليشيات، وانقطعت أخبارها منذ ذلك الحين.

وفي حادثة أخرى من الجنينة، تروي شابة (24 عامًا) أنها عادت برفقة والدتها إلى منزلهما الذي نُهب أثناء المعارك، على أمل استعادة بعض متعلقات أطفالها، ففوجئن بثلاثة مسلحين – اثنان بلباس مدني والثالث بزي الدعم السريع – كانوا من جيرانهن المعروفين في المنطقة.

طالب المسلحون بدايةً بتسليم أي أسلحة مخفية، ثم اتجه أحدهم نحو الشابة وهددها قائلًا إنه يريد منها أن تضاجعه وإلا سيقتل أمها.

أطلق المهاجم رصاصة كادت تصيب الأم، ثم أمسك بالابنة وجرها إلى داخل المنزل المدمّر واغتصبها تحت تهديد السلاح. وبعد أن أنهى جريمته، حاول مسلح ثانٍ اغتصابها أيضًا، فتدخل الثالث ليمنعه قائلاً: “نحن نريد أسلحة ورجالًا، وليس نساء، اتركوهن” ورغم إفلاتها من اغتصاب ثانٍ بفضل ذلك، إلا أن الشابة خرجت من تلك التجربة بصدمة نفسية وجسد منهك وجراح لا تندمل.

لم يسلم حتى من حاول الفرار من جحيم دارفور من هذا المصير. ففي شهادة صادمة، تحكي امرأة (27 عامًا) أنها أثناء محاولتها الهرب من الجنينة إلى تشاد في مايو/أيار 2023، صادفت زميلة سابقة (18 عامًا) ملقاة على جانب الطريق وتنزف من إصابة برصاصة في كتفها.

أخبرتها الفتاة الجريحة أنها تعرضت للاغتصاب على يد مليشيا الدعم السريع ثم أُطلِقت عليها النار، وناشدتها أن تبلغ أسرتها بألا تبحث عنها إذ كانت تلفظ أنفاسها.

وتضيف الشاهدة أنها فرت سريعًا من الموقع خوفًا على نفسها، وانضمت إلى مجموعة أخرى من المدنيين الفارين باتجاه الحدود. خلال الطريق، حاولت المليشيا خطف ثلاث فتيات مراهقات من بين النازحين تحت تهديد السلاح، وعندما قاومن محاولات اختطافهن، أطلق المسلحون النار عليهن وقتلوهن على الفور.

مشاهد دامية كهذه تؤكد أن جرائم الاغتصاب غالبًا ما ترافقت مع أقصى درجات العنف بما في ذلك القتل العمد، ما يشي باستراتيجية متعمدة لبث الرعب والإذعان لدى السكان المستهدفين.

أما في العاصمة الخرطوم وأحيائها المكتظة، فقد استغلت المليشيا حالة الفوضى لتفرض حضورها المرعب في الأحياء السكنية منذ الأيام الأولى للصراع.

انتشر مقاتلوها في بعض المناطق متنكرين بلباس مدني أو مستوليّن على منازل ومبانٍ، وبدأ سيلٌ من التقارير حول اعتداءات جنسية في المدينة.

يكشف تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن المليشيا ارتكبت انتهاكات جنسية واسعة النطاق في أحياء الخرطوم التي تسيطر عليها، شملت اغتصابات فردية وجماعية وإجبار نساء وفتيات على “الزواج” القسري من مقاتليها.

هذه الجرائم، التي وصفها التقرير بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تمت وسط أجواء من الرعب حوّلت حياة النساء في العاصمة إلى كابوس يومي.

وأفاد عاملون في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية ممن استطاعوا توثيق بعض الحالات بأن الضحايا تشمل فتيات لا تتجاوز أعمارهن التاسعة ونساء بلغن الستين. وقد أحصى هؤلاء تقديم المساعدة لـ262 من ناجيات العنف الجنسي في مستشفيات الخرطوم خلال الأشهر العشرة الأولى من الحرب (أبريل 2023 – فبراير 2024)، مؤكدين أن الرقم لا يمثل سوى جزء من الواقع في ظل عجز كثير من الضحايا عن طلب العون.

تقول إحدى الشابات من الخرطوم: “منذ اندلاع هذه الحرب، لم يكن هناك مكان آمن للنساء في الخرطوم تحت سيطرة المليشيا فقد تعرضت النساء لهجمات حتى وهن في منازلهن التي يفترض أن تكون ملاذًا. في كثير من الحالات، اقتحمت المليشيا المنازل عنوة واعتدوا على النساء في غرف النوم وأمام أفراد عائلاتهن. وفي حالات أخرى، اعترض المسلحون طريق النساء العاملات في الشوارع – كبائعات الأغذية أو غيرهن – واغتصبوهن على قارعة الطريق لمجرد تواجدهن في المجال العام. حتى المستشفيات لم تكن حرمًا آمنًا؛ بل شهدت هي الأخرى حالات اغتصاب لعاملات صحيات داخلها، بل واختُطفت بعض الممرضات والطبيبات إلى بيوت استولت عليها المليشيا حيث احتجزن وتعرضن لاغتصاب جماعي وتعذيب لعدة أيام. كل ذلك يجعل المرأة السودانية تدفع ثمنًا فادحًا لمجرد وجودها في مرمى نيران هذا الصراع الوحشي.

الفظائع التي تعرضت لها النساء السودانيات على يد المليشيا المدعومة اماراتيا تسببت في ندوب نفسية عميقة لا تقل خطورة عن الإصابات الجسدية. كثير من الناجيات يعانين اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب الحاد، وتراودهن كوابيس مستمرة وشعور بانعدام الأمان إلى درجة أن بعضهن فكرن في الانتحار.

تروي إحدى الناجيات: “لا أكفّ عن استعادة كل ما حدث في ذهني. لم أعد أحتمل البقاء وحدي؛ أحتاج دومًا لوجود أحد بقربي لأشعر بالأمان”

مثل هذه الشهادات تبيّن كيف حطّم العنف الجنسي إحساس الضحايا بالأمن حتى ضمن محيطهن الخاص. أضف إلى ذلك أن العديد من النساء أصبحن يعانين مشكلات صحية مزمنة جرّاء الاغتصاب، مثل إصابات داخلية ونزيف مستمر ومضاعفات صحية كالفشل الكلوي واضطرابات الدورة الشهرية والصعوبة في المشي.

وقد توفيت أربع نساء على الأقل في الخرطوم متأثرات بإصابات جسيمة تعرضن لها أثناء حالات اغتصاب أو اغتصاب جماعي، في حين لقيت أخريات حتفهن انتحارًا بسبب الصدمة والوصمة المرتبطة بما حدث.

الوصمة الاجتماعية تمثل جرحًا إضافيًا في معاناة الناجيات، حيث تواجه كثيرات نبذًا أو لومًا بدلاً من التعاطف والدعم. ففي مجتمع محافظ كالمجتمع السوداني، غالبًا ما تُجبَر الضحية على الصمت خوفًا من الفضيحة أو الانتقام، ما يؤدي إلى تعتيم كبير على الحجم الحقيقي للمشكلة. عدد قليل جدًا من الناجيات تجرأن على الإبلاغ عن ما تعرضن له للسلطات أو السعي وراء العدالة.

تقول منظمة العفو الدولية إن أياً من النساء اللواتي قابلتهن لم تحصل على رعاية ما بعد الاغتصاب أو تبلغ السلطات، إما بسبب تعذر الوصول إلى المرافق الطبية والأمنية وسط الحرب أو خوفًا من الوصمة والانتقام. وتوضح الناشطة هالة الكارب أن ثقافة العيب تجعل من تشجيع الضحايا على الكلام تحديًا هائلًا، خاصة في حالة الضحايا من الذكور – نعم، حتى بعض الرجال والفتيان تعرضوا للاغتصاب وفق شهادات متفرقة – إذ يُتوقع أن يستغرق الأمر عقودًا قبل أن يجرؤ ضحايا الاعتداء الجنسي من الرجال على البوح بما مّروا به. وإلى جانب الوصمة،

وفي ظل هذا الواقع الأليم، تتنامى المخاوف من أن ما يجري في السودان من عنف جنسي ممنهج تقوم بها المليشيا للمدعومة اماراتيا يرقى إلى مصافِّ الجرائم الدولية الأشد خطورة.

حيث تؤكد المنظمات الحقوقية والأممية أن الاغتصاب عندما يُمارَس على نطاق واسع كجزء من هجوم منهجي ضد المدنيين يصنَّف كجريمة ضد الإنسانية، فضلاً عن كونه جريمة حرب بموجب القانون الدولي. وفي حالة السودان، تجمع الشواهد على أن هذه المليشيا جعلت من أجساد النساء ميدانًا لحربها، بهدف إذلال وإخضاع المجتمعات المحلية.

ولعل هذا ما دفع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى الإعلان مطلع عام 2025 أن ما ارتكبته قوات المليشيا بحق جماعات عرقية مثل المساليت في دارفور يشكّل إبادة جماعية. وأشار بلينكن تحديدًا إلى أن قوات هذه المليشيا المدعومة اماراتيا في حملتها العسكرية اقترفت طيفًا واسعًا من الانتهاكات الجسيمة، بما فيها العنف الجنسي الواسع النطاق المستخدم كسلاح حرب. وبالتزامن مع ذلك، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قائد المليشيا محمد حمدان دقلو (المعروف بـ”حميدتي”) وعدد من المتعاونين معه، مؤكدةً أنها ستسعى لمحاسبة كل من “انتهك حقوق الشعب السوداني”. وجاء في بيان الوزارة أن قوات حميدتي “ارتكبت قائمة من الفظائع الموثقة، بما فيها عمليات قتل بدوافع إثنية واستخدام الاغتصاب كسلاح حرب”. هذه التصريحات الأمريكية الرسمية تضفي ثقلاً إضافيًا على الاتهامات، وتثبت أن المجتمع الدولي بات يملك أدلة كافية لاعتبار ما يجري حملة مُنظمة من الجرائم الجنسية ضد المدنيين.
على الرغم من فظاعة هذه الجرائم وتواتر التحذيرات الدولية، فإن استجابة المجتمع الدولي ظلت متواضعة إلى حد التقصير حيال مأساة السودان. طوال شهور الحرب، اكتفى مجلس الأمن الدولي ومختلف العواصم بالتعبير عن القلق والدعوة لوقف إطلاق النار،

في الواقع، يُرجع محللون جانبًا من تراخي الرد الدولي إلى تشابك المصالح السياسية والاقتصادية لبعض القوى المنخرطة في ملف السودان. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة في دعم المليشيا مما أسهم في إطالة أمد الصراع وتفاقم الانتهاكات. فعلى الرغم من الصورة التي حاولت أبوظبي إظهارها كطرف محايد يدعو لوقف القتال، كشفت تقارير صحفية وحقوقية أن الإمارات كانت رافدًا رئيسيًا لتسليح وتمويل قوات حميدتي منذ اندلاع الحرب. وقد أكدت صحيفة نيويورك تايمز في تحقيق استقصائي وجود أدلة على تقديم الإمارات دعمًا عسكريًا مباشرًا لهذه المليشيا تمثل في تدفّق مستمر لشحنات أسلحة ووفق بيان منظمة Refugees International الحقوقية، فإن هذا الدعم الإماراتي شجّع قوات الدعم السريع على الاستمرار في “حملة طاحنة من الفظائع في دارفور، بما في ذلك الاغتصاب الممنهج والتطهير العرقي والقتل واسع النطاق”. ولم يتوانَ البيان عن وصف ما يحدث بأنه قد يرقى إلى جريمة إبادة جماعية تُسهم فيها الأسلحة الإماراتية بشكل مباشر.

في خضم هذه الصورة القاتمة، يبقى الشعب السوداني عامةً والنساء خاصةً هم الضحية الأكبر. لقد تمزق النسيج الاجتماعي تحت وطأة العنف الجنسي الوحشي الذي استخدمته المليشيا لبث الفرقة والرعب. فحين تُستهدف النساء بهذا الشكل الممنهج، فإن الرسالة إلى المجتمع بأسره هي الإذلال والإخضاع. وهذا يترك آثارًا بعيدة المدى على المجتمع السوداني: تفكك أسر وانهيار ثقة ونزيف سكاني عبر موجات نزوح ضخمة داخل البلاد وخارجها (أكثر من 13 مليون نازح ولاجئ حتى منتصف 2025)، ومخاوف عميقة من تأجيج الكراهية العرقية بعد أن اتخذت بعض الانتهاكات طابعًا عرقيًا صريحًا (كما في دارفور ضد المساليت).

ختامًا، فإنّ ما تشهده الساحة السودانية فصل مظلم من الجريمة المنظمة التي موّلتها وسلّحتها أبوظبي بدمٍ باردٍ وضميرٍ غائب.
لقد تحوّل المال الإماراتي إلى رصاصةٍ في صدور النساء، وإلى سلاحٍ يغتصب الكرامة قبل الأجساد.

فحين تمدّ الإمارات مليشيا حميدتي بالسلاح والذخيرة، فإنها ترعى منظومة اغتصاب جماعي وإبادة إنسانية بكل المقاييس. إنّ كل طلقةٍ أُطلقت على أمٍّ سودانية، وكل جريمة اغتصاب هزّت ضمير السودان، تحمل بصمة تواطؤٍ واضح من أبوظبي التي لم تكتفِ بتقويض الدولة، بل أسهمت في تمزيق نسيجها الاجتماعي، ودنّست أنوثة الوطن باسم النفوذ والسيطرة.

ان الإمارات لم تكن تدعم “السلام” كما تزعم في بياناتها الملمّعة، بل كانت تموّل أذرعًا دموية تعيد إنتاج نموذجها في التخريب من ليبيا إلى اليمن إلى السودان.

وإنّ التاريخ لن ينسى أن أبوظبي كانت الشريان الذي أغذّى المليشيات بالمال والسلاح بينما كانت أجساد النساء تُنتهك في الخرطوم والجنينة والجزيرة وستبقى هذه الجرائم وصمة عار على جبين دولةٍ تدّعي التسامح وهي تموّل الاغتصاب، وتروّج للسلام وهي تغرس أنيابها في جسد الأمة العربية.

كما أن الصمت الدولي أمام هذا الدور الإماراتي جريمةٌ مضاعفة، لأنّ من يموّل المغتصِب شريكٌ في الاغتصاب، ومن يغضّ الطرف عن الدماء شريكٌ في سفكها.

وعلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يسمّيا الأمور بأسمائها: فما يجري في السودان حرب إماراتية بالوكالة ضدّ إنسان السودان وكرامته.
وكما أنّ الجريمة لا تسقط بالتقادم، فإنّ أموال أبوظبي لن تمحو عارها، وسيأتي يومٌ تُحاكم فيه على كل صرخة امرأةٍ سودانية انتهكتها المليشيا بسلاحٍ إماراتي وبغطاءٍ عربيٍّ صامت.

ملاحظة يمكن وسيلة إعلامية نسخ ونشر المادة مع الصورة واسم معد التحقيق فلايوجد عندي شي اسمه حقوق فكرية في النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *