الأخبار

إلى قيادة دولتنا مع الاحترام – حديث مكي المغربي خارج الإطار… وكذلك هذا المقال بقلم: مجدي عبدالعزيز

قد يختلف الناس حول ما كتبه الأستاذ مكي المغربي – اليوم علي حسابه بفيسبوك – وقد يتفقون معه كلياً أو جزئياً، لكن ما لا ينبغي أن نختلف حوله هو أن ما طرحه ليس من جنس المقالات العابرة، ولا من باب الجدل الإعلامي المعتاد، وإنما هو حديث يمس ملفات سيادية شديدة الحساسية، تتعلق بإدارة العلاقات الخارجية، وآليات التفاوض، وصناعة القرار الوطني.
ولهذا، فإن هذا المقال أيضاً أكتبه “خارج الإطار”… لأن الإطار الطبيعي لمثل هذا النقاش ليس صفحات الصحف ولا منصات التواصل الاجتماعي، وإنما غرف التفكير الاستراتيجي، ومراكز التخطيط، ودوائر صناعة القرار في الدولة.
ومن هذا المنطلق، أضع بين يدي قيادة دولتنا هذه الملاحظات، بكل الاحترام والتقدير، وبقناعة راسخة أن التنبيه المخلص لا يقل قيمة عن الإنجاز الميداني.

▪️ أولاً : لست ضد بث الوعي، ولا مع تكميم الآراء، ولا أؤمن بأن حجب النقاش يصنع دولة قوية. على العكس، فالدول القوية هي التي تسمع قبل أن تتخذ قرارها، وتستفيد من اختلاف الرؤى قبل أن تحسم خياراتها.
لكنني، في الوقت ذاته، أعتقد أن الأستاذ مكي المغربي لم يكن ليختار الإعلام المفتوح ومنصات التواصل الاجتماعي لطرح مثل هذه الإفادات السياسية والاستراتيجية الحساسة، لو وجد نافذة حقيقية داخل مؤسسات الدولة يعرض عبرها هذه الرؤى، أو وجد مراكز تخطيط تستمع، أو آذاناً حكيمة تناقش، حتى إن انتهت إلى مخالفة رأيه.
فالخاسر الحقيقي من غياب هذا الحوار ليس مكي المغربي… وإنما الوطن.

▪️ ثانياً : ولست هنا بصدد الترويج للأستاذ مكي، ولا صناعة بطولة له، فهو في تقديري لا يحتاج إلى ذلك.
غير أن الإنصاف يقتضي القول إن الرجل يمتلك رصيداً معتبراً من التجربة والتأهيل، وشارك في العديد من المنابر البحثية والفكرية الدولية والإقليمية، خاصة في الولايات المتحدة ومراكز المعرفة الإفريقية، بل خاض حوارات حتى داخل بعض مراكز الدراسات الإسرائيلية، التي دعته لمناقشة رؤاه، سواء اتفقنا مع تلك المشاركات أم اختلفنا معها.
هذه ليست شهادة تزكية، وإنما توصيف موضوعي لمسار مهني يجعل من الطبيعي أن يُستمع إلى ما يقوله، ثم يُناقش بعلم، ويُقبل أو يُرفض بحجة، لا أن يُتجاوز ابتداءً.

▪️ ثالثاً : ومن الطبيعي كذلك أن توجد آراء أخرى تناقض ما طرحه الأستاذ مكي المغربي.
بل إن هذا هو المطلوب.
فالقضايا الاستراتيجية لا تُدار بمنطق الصوت الواحد، وإنما بالحوار الرصين، والمجادلة العلمية، وتبادل الخبرات، واختبار الفرضيات، وصولاً إلى القرار الأكثر خدمة للمصلحة الوطنية.
أما إسكات الرأي أو السخرية منه أو شيطنته، فلا يصنع معرفة، ولا يحمي دولة.

▪️ رابعاً : وهنا تبرز فرضية أخرى، لا أقدمها باعتبارها حقيقة، وإنما باعتبارها سؤالاً مشروعاً تفرضه مقاربة الوقائع.
هل يواجه الأستاذ مكي المغربي بالفعل مجموعات مصالح، أو أصحاب نفوذ، أو أطرافاً ترتبط بحسابات متعدية، لا ترغب في وصول آرائه إلى دوائر صناعة القرار؟
إن صح شيء من ذلك، فإن وسائل المنع قد لا تكون دائماً بالمواجهة المباشرة، وإنما ربما عبر التسفيه غير الموضوعي، أو التقليل من قيمة الطرح، أو ممارسة ما أسميته في مقالات سابقة “دور المخدِّراتية”؛ أولئك الذين يعملون على تخدير مراكز القرار، وإبقائها أسيرة لسياسات صيغت ابتداءً بما يخدم مصالحهم، لا مصالح الدولة.
وأكرر… هذا حديث في إطار الفرضيات، لا الاتهامات.

▪️ خامساً : وصفت هذا المقال، منذ عنوانه، بأنه أيضاً “خارج الإطار”.
ذلك لأن المقال الذي كتبه الأستاذ مكي المغربي نفسه خارج الإطار الطبيعي الذي ينبغي أن يناقش فيه.
فهذا النوع من الأفكار ينبغي أن يكون محل نقاش داخل المؤسسات المختصة، لا في الفضاء الإعلامي المفتوح.
ولو وجد هذا الإطار المؤسسي، لما اضطر مكي المغربي ــ في تقديري ــ إلى اللجوء إلى الرأي العام، ولما وجدت نفسي أكتب هذا المقال.

▪️ سادساً : ولست بصدد تحليل كامل لما أورده الأستاذ مكي.
فقد حمل مقاله قدراً وافياً من الإبانة والإيضاح، وأثار ــ بحسب ما لاحظته من تفاعلات القراء على موقع فيسبوك ــ حالة من التفكير الجاد والعصف الذهني حول كثير من المسلمات التي اعتاد الناس النظر إليها دون مساءلة.
غير أن قيمة المقال الحقيقية، في تقديري، ليست في الإجابات التي قدمها، وإنما في الأسئلة التي أجبرنا على مواجهتها.

▪️ وسابعاً : ومن بين تلك الأسئلة الشائكة، أطرح على قيادة الدولة ــ بكل احترام ــ ما يلي:
1- هل تمتلك الدولة بالفعل رؤية وطنية متكاملة، واستراتيجية واعية لإدارة الملف الأمريكي، تستوعب ما طرحه الأستاذ مكي المغربي، خاصة ما أسماه بـ”الخزعبلة الأولى”، والتي تقوم على أن الولايات المتحدة لا تبدأ بالتفاوض على مصالحها المباشرة، وإنما على تفكيك عناصر القوة لدى الطرف الآخر، وإخضاعه قبل الوصول إلى المصالح؟
إن كان الجواب نعم، فتلك طمأنينة مطلوبة.
وإن كان غير ذلك، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً.
2- هل توجد بالفعل، داخل إدارة الملف الأمريكي، حالات قد تثير تضارباً محتملاً في المصالح؛ كحملة الجنسيات المزدوجة، أو طالبي الإقامة أو التجنيس، أو من ترتبط مصالحهم الشخصية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالولايات المتحدة، بما قد ينعكس ــ ولو على مستوى الانطباع ــ على نقاء القرار الوطني؟
إنه سؤال يستحق المراجعة الهادئة، بعيداً عن الاتهام أو التبرئة المسبقة.
3- أما ما أورده الأستاذ مكي بشأن الدخول إلى الولايات المتحدة عبر دولة وسيطة، فقد توقفت عنده طويلاً.
وسألت نفسي: هل يجوز لي أن أناقش هذه الجزئية في مقال مفتوح؟
وكانت إجابتي: لا.
ليس لأن الموضوع غير مهم، وإنما لأن حساسيته السياسية، وتعقيداته التكتيكية، وما قد يترتب على الخوض فيه من إحراج، تجعل مكانه الطبيعي داخل مؤسسات الدولة، لا في الإعلام.
وأكتفي بذلك.

4- وأخيراً: هل تمثل الحلول الثلاثة التي طرحها الأستاذ مكي المغربي ــ بدءاً من الوعي الاستراتيجي، مروراً بإعادة بناء معايير إدارة الملفات الخارجية، وانتهاءً بإعادة هيكلة الكوادر وآليات إدارة العلاقات الدولية ــ أرضية تستحق النقاش داخل دوائر التخطيط وصناعة القرار؟
أعتقد أن الإجابة نعم…
شريطة أن تصفو النوايا، وأن يُستبعد الحسد، وأن يُبطل مفعول التخدير، وأن تكون المصلحة الوطنية وحدها هي الحَكَم.

▪️ وأخيراً : إن معركة الدولة السودانية ليست معركة بندقية فقط، وإنما معركة قرار، ومعركة وعي، ومعركة إدارة للمصالح، ومعركة قراءة صحيحة للعالم.
ولا أشك لحظة في أن قيادة الدولة تبذل جهداً كبيراً على مختلف الجبهات.
أما نحن، في مواقعنا، فواجبنا أن نطلق إشارات التنبيه، ونلفت الانتباه إلى ما نراه جديراً بالمراجعة، وأن نقدم ما نعتقد أنه يخدم الوطن، دون مزايدة، ودون ادعاء امتلاك الحقيقة.
فقد يكون سؤالٌ صادق، في توقيته الصحيح، أكثر قيمة من إجابة جاءت بعد فوات الأوان.
وذلك… بكل استحقاق الاحترام والتقدير.

( مرفق بوست الاستاذ مكي المغربي )

،، والي الملتقي

مقال مكي المغربي:

خزعبلات الملف الأمريكي
النتيجة النهائية أن تتحول من طرف يتفاوض إلى طرف يدار، ومن صاحب مصالح إلى أداة في مصالح غيرك.

الخزعبلة الأولى: أمريكا تبدأ بالتفاوض على مصالحها المباشرة. هذا غير صحيح البتة. لأن مصالحها لا تقتصر على ما تريد أخذه مباشرة، بل الأهم هو الاذعان بتعطيل مصالح غيرها، وبعد ذلك تقرر الكفاية بذلك أو الدخول في مصالح مباشرة. ثم إن أمريكا -أساسا- لا تبدأ بالتفاوض على مصالحها، بل على نقاط قوتك لتجردك منها وتضمن هشاشة موقفك واقصاء المفيدين من حولك، ثم تأخذ ما تريد منك بلا تفاوض أو عندما يصبح التفاوض عملية شكلية لا سيادة لك ولا حق فيها. ولا بد أن تضع في اعتبارك، أنك إذا دخلت المفاوضات بأوهام عن مصالحها معك وإنطلت عليك الاكاذيب الاولية والوفود الاستطلاعية، فلن تصحح لك اوهامك، بل ستستثمرها لتخديرك، وتدعك تنخدع بالصورة التي تتمناها وتتوقعها لامريكا وهي غير موجودة.
الخزعبلة الثانية: وجود مفاوضين يقيمون في أمريكا أو يحملون جنسيتها أو يسعون إليها ميزة لانهم أقرب لها. العكس هو الصحيح. أول ما تحققه هو تحويل وفدك إلى امتداد لوفدها داخل معسكرك. لذلك فإن إشراك مزدوجي الجنسية أو طالبي اللجوء أو التجنيس لهم أو لأسرهم في الملف الأمريكي لا يعني تقوية وفدك، بل تمويل الوفد الأمريكي، ومنحه سكرتارية تبرير وموطء قدم في معمل صناعة قرارك وتشكيل موقفك. هو اسباغ صفة حكومية وحماية دبلوماسية على ادوات الجانب الأمريكي.
الخزعبلة الثالثة: الدخول إلى أمريكا عبر دولة وكيلة طريق جيد ثم يمكن الاستقلال عنها بعد قضاء الغرض منها بكل بساطة. هذا وهم. الوكيل يدرك نيتك ويعلم أن استقلالك ينهي قيمته ودوره، لذلك يجعل السيطرة على قرارك وشراء النفوذ داخلك شرطا لأي تقدم. الأخطر من ذلك، في الداخل الأمريكي هنالك مع أي حليف أو وكيل شبكات نفوذ ومصالح، وأصحاب هذه المصالح سيعطلون أي محاولة لبناء قناة مستقلة موازية، لأنها تهدد نفوذهم مستقبلا. لذلك فإن الدخول عبر وسيط لا يمهد لاستقلالك، بل العكس، يضع العراقيل أمامه منذ البداية، ويشوه صناعة القرار داخلك بأخطر عملية شراء ذمم.

الحل:
1- الوعي الاستراتيجي بملفات العلاقات الخارجية والسلوك التفاوضي للدول بصورة عامة، واعادة تصميم الملفات مع الدول كلها وامريكا من ضمنها، تحديد مفاصل الملفات مهم.
2- وضع معايير وطنية وقانونية وفحص يختلف عن الموجود ويرقى للمطلوب.
3- تشفير الملفات الخارجية على كل الدول، وتصفير العداد لدور بعضها، ثم استعادته وفق الضوابط اعلاه ومع كوادر تختلف تماما عن النمط السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *