
كانت السيارة تشق طريق العودة إلى
بورتسودان ببطء يشبه تعب الأرواح بعد أيام قضيناها بين مراكز الإيواء والتكايا، نستمع لشكوى الناس ونرى ما فعله الخراب بوجوههم وبيوتهم وأيامهم. لم تكن مجرد مهمة إعلامية كانت رحلة إلى قلب الجرح السوداني المفتوح
هناك بين الأطفال الذين فقدوا ما تبقّى من طفولتهم والأمهات اللواتي يخفين خوفهن خلف ابتسامة لا تصمد طويلاً، والشيوخ الذين يحملون القهر في تجاعيدهم قبل كلماتهم أدركت أن الحرب لم تُشعل الأرض فقط… بل أطفأت أشياء كثيرة في الداخل. ميليشيا عاثت في السودان فساداً وجنت على وطن لم يستحق هذا المصير، لكنه برغم الجراح واقف محروس بقيادته العسكرية وحكومته ومسنوداً بإرادة شعبه التي لا تنحني..
سرحتُ في تفاصيل حياة الناس علاجٌ غائب تعليم مهدود، أفراح اختنقت، ونزوح يجر خلفه مدنا كاملة فقدت أصواتها. ومع كل هذا ينهض الناس كل صباح كأنهم يرفضون الهزيمة يصبرون ويقاومون ويحملون صورة للسودان كما يحب أن يكون قويا معافى شامخا لا منكوبا ولا مطأطئ الرأس
على امتداد الطريق كانت الأرض تتسطح أمامي بصمتها الواسع. سمعتُ حفيف الرمال وكأن التراب يهمس بلغته القديمة لهذه الأرض ذاكرة لا تُمحى. شعرت أن جذوري ممتدة في عمق هذا البلد الأسمر كأنني شجرة ترفض الفكاك.
وحين غادرت بورتسودان وودّعت الناس كنت أردّد في داخلي “غداً نعود كما نود.”
رحلت إلى لندن جسداً فقط، أما السودان فحملته معي كما أحمل إسمى … فهو وطن لا يمكن تركه خلفك حتى لو ابتعدت آلاف الأميال. والغريب أن المسافة لا تُبعده عنك بل تعيد رسمه داخل القلب ليصبح أوضح وأقرب…
في هذه الرحلة رأيت حكاية الإنسان السوداني وهو يحاول أن يعيش رغم التوتر والخوف ومع كل ذلك، يبقى نبض الحياة يتقدّم بلا استئذان ويظل الإيمان ملاذ الناس والصبر سندهم والأمل جسرهم نحو الغد
هذا البلد مجروح نعم.. لكنه شامخ واقف بشعبه وبقيادته التي تصون وحدته و سيظل حيّا مهما حاولت الميليشيا أن تعصف به.
فالوطن لا يسقط… خصوصا حين نحمله معنا أينما ذهبنا.
مسافات… جدية عثمان
لندن 29 نوفمبر 2025











