كتب حسين عوض شريف: *من الشارباب خرج الضوء… أمٌ فقيرة صنعت مجدًا وأشعلت نبراسًا للتفوق (قصة تستحق أن تُروى… مرارًا وتكرارًا)

ليست كل القصص التي تستحق التوقف عندها تُكتب في عواصم المدن، ولا كل نماذج النجاح تولد في بيوت ميسورة.
فمن قرية الشارباب، ذلك الريف البسيط المتكئ على القيم والعمل والصبر، خرجت واحدة من أصدق وأعمق قصص الكفاح الإنساني في ولاية نهر النيل… قصة اسمها قسيمة.
قسيمة، أم من أسرة بسيطة، محدودة الدخل، قليلة الحيلة إلا من الإيمان والعزيمة، لم تمتلك المال، لكنها امتلكت رؤية واضحة: أن يكون التعليم هو طريق الخلاص والكرامة لبناتها.
سنوات طويلة قضتها بين عناء الحياة وضيق المعيشة، تبذل وقتها، وتستنزف صحتها، وتؤثر بناتها على نفسها، دون ضجيج، ودون شكوى، ودون انتظار شكر.
وكان الحصاد على قدر التضحيات… بل أكبر.
من مدرسة حواء الماحي بقوزبرة، تلك المدرسة التي شكّلت الوعي الأول، وغرست بذور الطموح، تخرّجت بنات قسيمة، ليقدمن نموذجًا يُحتفى به لا في القرية وحدها، بل في عموم ولاية نهر النيل:
ملاك… خريجة كلية التمريض العالي، اختارت مهنة العطاء وخدمة الإنسان.دكتورة
آلاء… خريجة كلية الطب – جامعة شندي ، حلم كبير بدأ من فصل بسيط، وانتهى إلى واحدة من أسمى المهن.
علوية… التي حققت المرتبة الخامسة على مستوى ولاية نهر النيل في الشهادة المتوسطة، مؤكدة أن الريف لا ينقصه الذكاء، بل فقط الفرصة.
هؤلاء البنات لم يُخزلن أمهن، بل كنّ وفاءً لتضحياتها، وتجسيدًا حيًا لمعنى البر والاجتهاد، حتى أصبحن مضرب مثل لكل الأسر، ورسالة واضحة لكل أم وأب:
أن الفقر لا يمنع التفوق، وأن المدرسة الريفية قادرة على صناعة القمم متى ما وُجد الإصرار والدعم الأسري.
ولا تكتمل الحكاية دون ذكر الخالة علوية، التي كانت سندًا وكفاحًا وتضحية، شريكة في هذا الإنجاز، حتى أقعدها المرض والكبر، فكان لها في هذا المجد نصيب أصيل.
إن الحديث عن تكريم قسيمة ليس ترفًا، ولا مجاملة اجتماعية، بل واجب أخلاقي وقيمي.
تكريمٌ يُراد له أن يكون معنويًا، عميق الدلالة، يُخلّد النموذج، ويحوّل القصة إلى نبراس يُحتذى، ورسالة حث لكل الأسر البسيطة، ولكل القرى، ولكل الأمهات الصابرات.
فهنا، من الشارباب… لم تُصنع شهادة فقط،
بل صُنعت قيمة،
وصُنعت قدوة،
وصُنعت قصة تستحق أن تُروى… مرارًا وتكرارًا.











