الأخبار

ما بعد الرصاص: مأساة نفسية صامتة تعيشها أسر السودان صدمات وجنون

متابعات _ عزة برس

تتبدى مأساة صامتة تعصف بآلاف الأسر في الداخل ومناطق النزوح، تتمثل في الصدمات النفسية التي لم تفرق بين صغير وكبير، في خضم تقارير تحصي أعداد القتلى والجرحى في حرب السودان.

وتجسد قصة العم “فتح الرحمن” وطفلتيه مأساة جيل كامل من الأطفال الذين اغتالت الحرب استقرارهم الذهني، في وقت يواجه فيه النظام الصحي النفسي في البلاد شللاً شبه تام ونقصاً حاداً في الكوادر والمرافق، مما يجعل المعركة ضد “الاضطرابات النفسية” لا تقل ضراوة عن معارك الميدان.

كان فتح الرحمن السيد يعمل نجارا.. يداه تؤلفان الخشب ونعومته أكثر مما تعرفان ملمس الحرير، إذ يمتلك محلاً في السوق الشعبي بأم درمان لصناعة الدواليب والمنتجات الخشبية.

ومع اشتداد القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في المدينة عام 2023، غادر فتح الرحمن أم درمان متوجهاً نحو ولاية القضارف، حيث يمتلك شقيقه منزلاً وبعض الأعمال التجارية.

لدى فتح الرحمن ابنتان “نور” ذات السنوات الخمس، و”لينا” ذات السنوات الثماني، وبعد فترة وجيزة من وصولهم إلى القضارف، بدأت البنتان تبديان تصرفات غير طبيعية، جراء عيشهما أوقاتاً عصيبة في أم درمان، بسبب سقوط ثلاث “قذائف” في الحي، سقطت اثنتان منها داخل منزلهما، كما يروي فتح الرحمن لـ”سودان تربيون”.

كان وقع الانفجارات مدوياً، إذ دمر جزءاً من المنزل وأطاح بالنوافذ والأبواب، في وقت كانت فيه الفتاتان تغطان في نوم عميق.

ويتذكر فتح الرحمن في حديثه أنهما أصيبتا بذعر وخوف لم يتوقف لأيام حتى غادرت الأسرة إلى القضارف.

وذكر متحدثا بصلابة ورضا إن الفتاتين ربما فقدتا جزءاً من وعيهما وقواهما العقلية حالياً لأنهما تقومان بين فترة وأخرى بالبكاء فجأة، ثم تصدران أحاديث غير مفهومة.

الحرب المدمرة – كما وصفها فتح الرحمن – تسببت في شروخ نفسية لأعز ما يملك في الدنيا، وهما فتاتاه الصغيرتان اللتان عرضهما على عدد من الأطباء، ولم يتبين أحد ما أصابهما بدقة.

دراسة مخيفة
كشفت دراسة أجراها المركز الكندي للأبحاث العلمية بشأن مستويات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، أن 63% من المشاركين في استبيان لم يتلقوا أي نوع من الدعم النفسي.

وفي مطلع ديسمبر الحالي، كشفت وزارة الصحة الاتحادية عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الأمراض النفسية بالسودان، مؤكدة أن تدهور الأوضاع خلال فترة الحرب ضاعف الحاجة إلى تدخلات عاجلة وإطلاق خطة اتحادية لإعادة تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز علاج الإدمان.

وقال وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم، إن الاضطرابات النفسية تشهد ازدياداً عالمياً، غير أن الوضع في السودان أكثر تعقيداً بسبب الحرب والانتهاكات التي طالت المدنيين، موضحاً أن الوزارة تعمل على تعزيز الوعي وتوفير خدمات تساعد في الاكتشاف المبكر وتسهل الحصول على العلاج.

ودعا إلى تبني رؤية شاملة للصحة النفسية وتخصيص ميزانيات تكفل تطوير هذا المجال داخل النظام الصحي.

وأعلن الوزير عن خطة لإعادة تشغيل المراكز المتوقفة، وعلى رأسها مستشفى “التجاني الماحي”.

معدلات الصدمة النفسية
وحسب تقرير نشرته جمعية علماء النفس السودانيين، فإن نشر الشائعات المرتبطة بأخبار الحرب والقتال زاد من معدلات الصدمات النفسية.

وذكر التقرير أن الشائعات المرتبطة بالتهديد كانت الأكثر تأثيراً وخطورة؛ إذ تضع المتلقي في حالة من الشك والخوف المستمر، مما يؤدي إلى الإصابة بقلق دائم.

ويضيف التقرير: “عادة ما تكون الشائعة في حالة الحرب أكثر خطراً من الرصاصة؛ لأنها تتسبب في زرع الخوف وتفقد الشخص ثقته في نفسه”.

ووفقاً لدراسة أجراها المركز الأمريكي لأبحاث الصحة العامة، فإن 62% ممن بقوا أكثر من 30 يوماً في مناطق القتال في السودان يتعرضون لاضطرابات نفسية بدرجات وأنواع متفاوتة، من بينها الاكتئاب، والقلق، والأرق، والخوف، والإدمان.

كما كشفت دراسة حالة شملت 443 طالباً، أجراها 6 باحثين في كلية الطب بجامعة الخرطوم ونشرتها منصة أبحاث الطب النفسي العالمية، عن معاناة أعداد كبيرة من طلاب الجامعات في المناطق التي مزقتها الحرب من مستويات عالية من التوتر والقلق والاكتئاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *